ليست كل غلبة هزيمة للحجة، وليس عجز المبلّغ عن إقناع الناس دليلًا على عجزه عن أداء وظيفته.

يحدثنا القرآن عن نوح (عليه السلام):

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ۝ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.

وجاء عن الإمام الباقر (عليه السلام):

«فلبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم سرًّا وعلانية، فلما أبَوا وعتَوا قال: رب إني مغلوب فانتصر».[1]

تسعمائة وخمسون عامًا من الدعوة، سرًّا وعلانية، ثم تختصر الرواية موقف قومه بكلمتين: «أبَوا وعتَوا».

فلم يكن نوح (عليه السلام) مغلوبًا لأن حجته غُلبت، ولا لأن الباطل صار حقًّا بكثرة أهله، وإنما غُلب في عالم الأسباب الظاهرة؛ إذ أصر قومه على التكذيب، وقابلوا الدعوة بالجحود والعناد، حتى قال الله في وصف ما لقيه منهم: ﴿وَازْدُجِرَ﴾، وقد فسّر علي بن إبراهيم ذلك بقوله: «أي آذوه وأرادوا رجمه».[2]

ولم تتوقف السخرية حتى حين شرع في صنع السفينة. فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن قومه كانوا يمرون به في مراحل عمله، فيسخرون منه؛ فلما غرس قالوا: صار غراسًا، ثم لما نحت الخشب قالوا: صار نجارًا، ثم لما صنع السفينة قالوا: صار ملاحًا في فلاة من الأرض.[3]

هنا نفهم قوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.

مغلوب لا في حجته، بل في قدرته على اختراق جدار الإباء والعتو والمكابرة الذي أقامه القوم في وجه الدعوة.

وهذه حالة قد يبلغها المبلّغ الديني في بعض الأزمنة والمجتمعات؛ فيبيّن ما يراه حقًّا، ويقيم عليه الحجة، ويعيد البيان مرة بعد أخرى، فلا يقابل بالحجة، وإنما بالمكابرة والعصبية والسخرية والتشنيع، وربما بالأذى.

وقد يصل إلى مرحلة يغلب على ظنه معها أن أكثر من يخاطبهم لن يغيروا مواقفهم، وأن الذين يمكن أن تبلغهم الكلمة قد بلغتهم.

لكن يبقى هنا سؤال دقيق: هل يملك المبلّغ أن يحكم بانسداد باب الهداية، فيبني على ذلك ترك البلاغ؟

الجواب أن انسداد هذا الباب ليس مما يثبت بمجرد الظن أو قراءة الواقع، وإنما لا يُعلم على وجه القطع إلا إذا أخبر الله تعالى بالغيب عنه. ومن أوضح ذلك ما قاله لنوح (عليه السلام):

﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾.

أما من دون هذا الإخبار الوحياني، فيبقى احتمال الاستجابة قائمًا، ولو في نفس واحدة تهتدي وسط الغواية، وتتحرر من ضغط العقل الجمعي، وتلتقط من كلمة الحق ما يغيّر مسارها. وهذا الاحتمال، وإن بدا ضئيلًا في حسابات الناس، كافٍ في إبقاء مسؤولية البلاغ قائمة، لا بوصفه ضمانًا للنتيجة، بل بوصفه أداءً لما أوجب الله على المبلّغ.

فهل يسقط البلاغ حينئذ؟

هنا تأتي قصة أصحاب السبت لتكشف عن جهة أخرى من وظيفة البيان.

قال قوم للذين كانوا لا يزالون يعظون المعتدين:

﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟

وكأن السؤال هو: ما جدوى الكلام مع قوم لا يسمعون؟

فكان جوابهم:

﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

في هذا الجواب غايتان متلازمتان، لا ينبغي أن تختلط إحداهما بالأخرى.

﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: لأن الإنسان مسؤول عن موقفه هو، فلا يسكت حيث يجب عليه البيان، ولا يذوب في الصمت الجمعي، ولا يجعل عدم استجابة الآخرين مبررًا لترك ما وجب عليه.

و﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: لأن المبلّغ لا يملك أن يحكم بانغلاق باب الهداية ما لم يرد بذلك إخبار من الوحي. قد لا تؤثر الكلمة في جمهور، ولكنها تقع في قلب واحد فتغيره، وقد لا يظهر أثرها اليوم ويظهر بعد حين. ولذلك يبقى البلاغ لازمًا، لا لأن المبلّغ يضمن أن يستجيب الناس، بل لأنه لا يعلم أن أحدًا لن يستجيب.

ثم يأتي ما هو أبعد من مجرد إقامة الحجة:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية:

«كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأَمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرًّا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا».[4]

وموضع الشاهد هو قوله (عليه السلام):

«ائتمروا وأمروا فنجوا».

فلم تكن فائدة النهي عن السوء منحصرة في أن يستجيب المجتمع للناهين. المجتمع لم يستجب، ومع ذلك بقي للإنكار أثره في تعيين موقع المنكرين أنفسهم من ذلك المجتمع.

لم يصهر القرآن الجميع في كتلة واحدة. كان هناك ظلم عام، ولكن بقيت في داخل المجتمع فئة تنهى عن السوء، وحين جاء وقت الجزاء قال تعالى:

﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.

وهذه من المعاني التي ينبغي أن يتأمل فيها من يقول: ما فائدة الكلام إذا كان الناس لا يسمعون؟

قد لا تغيّر المجتمع، ولكنك تحدد بالكلمة موقعك أنت من خطئه.

قد لا توقف اندفاع العقل الجمعي، ولكنك لا تسمح له بأن يحسبك جزءًا منه.

قد لا يستجيب لك الناس، ولكنك لا تقف يومًا أمام الله وليس عندك إلا أن تقول: رأيت وسكتُّ لأن كلامي لم يكن سيغيّر شيئًا.

نعم، لا يصح أن نحول ما وقع لأصحاب السبت إلى قاعدة نزعم معها أن كل من نهى عن السوء لا يمكن أن يصيبه بلاء دنيوي يعم مجتمعه. فقد قال الله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.

وقد تصيب آثار الفتنة في الدنيا من صنعها ومن لم يصنعها؛ لأن الناس يعيشون في مجتمع واحد، وتتداخل آثار أفعالهم.

لكن عموم الأثر الدنيوي شيء، وعموم المسؤولية والمصير أمام الله شيء آخر.

فإذا لم تكتب للناهي عن السوء النجاة من جميع آثار ما صنعه مجتمعه في الدنيا، فلا أقل من أن يبقى موقفه محفوظًا عند الله، فلا يحشر تابعًا للعقل الجمعي الذي رفضه، ولا للعصبية التي أنكرها، ولا للغوغاء الذين أبى أن يكون واحدًا منهم.

ومن هنا يحسن الالتفات إلى رواية حماد السمندري. فقد قال للإمام الصادق (عليه السلام) إنه يدخل بلاد الشرك، وإن بعض من عنده يقولون له: إن متَّ هناك حُشرت معهم.

فسأله الإمام (عليه السلام) عما إذا كان، حين يكون هناك، يذكر أمرهم أهل البيت (عليهم السلام) ويدعو إليه، فقال: نعم. فسأله عن حاله في مدن الإسلام، فقال إنه لا يفعل ذلك هناك. فقال له (عليه السلام):

«إنك إن مت ثم حشرت أمة وحدك، وسعى نورك بين يديك».[5]

تعبير عجيب:

«تحشر أمة وحدك».

فقد يعيش الإنسان وسط مجتمع كامل يخالفه، ولكنه لا يصبح جزءًا منه لمجرد أنه عاش بين أفراده. الموقف هو الذي يحدد موقعه، لا الجغرافيا، ولا الكثرة، ولا الهوية الاجتماعية الظاهرة.

ويؤنس بهذا المعنى قوله تعالى في إبراهيم (عليه السلام):

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

قد يكون فردًا واحدًا في العدد، ولكنه يقف بموقفه حيث تقف أمة.

وهذه إحدى ثمرات أن يبقى في المجتمع من يقول للخطأ: خطأ، وللباطل: باطل، ولو كان التيار العام يسير في الاتجاه المقابل. فالمبلّغ لا يملك أن يعلم أن كلمته لن تجد طريقًا إلى قلب أحد، ولا يملك لذلك أن يتعامل مع الناس بوصفهم كتلة مغلقة نهائيًا؛ إذ قد تكون فيهم نفس واحدة لم تستسلم بعد، أو نفس تسمع اليوم ولا تهتدي إلا غدًا.

ولهذا لا تكون وظيفة المبلّغ دائمًا أن ينتظر نتيجة عاجلة يرى أثرها في الناس. فالقرآن يقول:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.

ويقول:

﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.

ليس معنى ذلك أن يتكلم الإنسان في كل شيء، ولا أن يتصور كل ما يعتقده حقًّا واجب البلاغ، ولا أن يعفي نفسه من الحكمة في أسلوب البيان. وإنما الكلام حيث تكون عليه وظيفة البيان وإقامة الحجة.

عندئذ لا يكون ميزان نجاحه عدد من اقتنعوا، بل أن يؤدي ما عليه كما ينبغي، من غير أن يدّعي علمًا بانسداد باب الهداية، ومن غير أن يجعل ضعف النتائج الظاهرة ذريعة إلى ترك المسؤولية.

وقد تمر المجتمعات بمرحلة يشيع فيها موقف حتى يصبح مخالفته مستنكرة، ويقودها العقل الجمعي والعصبية والغوغاء إلى ما لا تحمد عقباه. فإذا بقي فيها من يقول كلمة الحق، لم يعد المجتمع من الناحية المعنوية كتلة واحدة، وإن بدا كذلك من الخارج.

وإذا ترتبت على اختيارات المجتمع آثار قاسية، فليس من الصحيح أن نسارع إلى تشخيص كل هزيمة أو فتنة أو مصيبة بأنها عقوبة إلهية على عمل معين؛ فالكلام عن فعل الله في واقعة مخصوصة يحتاج إلى حجة.

لكن القرآن نفسه يلفت إلى أن ما يصيب المجتمعات لا يلزم أن يأتي دائمًا في صورة عذاب سماوي يستأصلها، بل قد يقع البلاء من داخلها:

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.

وقد يكون في التفرق، أو الفتن الداخلية، أو ضعف الأمة أمام أعدائها، من البلاء ما لا يقل أثرًا عن كثير مما يتصوره الناس حين يسمعون كلمة «العذاب».

وفي كل ذلك تبقى مسؤولية الفرد محفوظة:

هل انجرف؟

هل سكت حيث وجب عليه الكلام؟

أم قال: أنا لا أملك تغيير الجميع، ولكن أملك أن لا أكون واحدًا ممن صنعوا هذا الخطأ أو سكتوا عنه؟

وهنا يعود معنى:

﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.

ليس المطلوب من المبلّغ أن يضمن استجابة الناس، ولا أن يغيّر الحق حتى يتقبله الجمهور، ولا أن يسكت لمجرد أن العقل الجمعي أصبح أقوى من صوته. وليس له كذلك أن يحكم بأن أحدًا لن يهتدي، ما لم يخبره الوحي بذلك؛ فاحتمال استجابة نفس واحدة، مهما بدا بعيدًا، يبقي باب البلاغ مفتوحًا، ويجعل القيام به مسؤولية لا تسقط بتقدير المبلّغ لضعف أثره.

قد يُغلب في العدد، وفي الإعلام، وفي القدرة، وفي التأثير، وقد يصل إلى مرحلة لا يملك معها إلا أن يرفع أمره إلى الله.

ونوح (عليه السلام)، بعد تسعمائة وخمسين عامًا من الدعوة، لم يقل: ما داموا لم يستجيبوا فقد كانت دعوتي عبثًا.

بل قال:

﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.

أي: فعلت ما كان في وسعي، وأبوا وعتوا، وغلبني ما لا أملك تغييره، وبقي الأمر إليك.

وهذا ما ينبغي أن يبقى للمبلّغ حتى حين لا يبقى له شيء آخر:

أن لا يحمله عدم استجابة الناس على ترك البلاغ حيث يجب عليه، وأن لا يدّعي انسداد باب الهداية بغير إخبار من الوحي، وأن لا يسمح للكثرة والعصبية والسخرية أن تجعله جزءًا من الصمت العام.

﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

------------------

[1] الكليني، الكافي، ج8، ص282-283، ح424، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام).

[2] علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، ج2، ص341، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَازْدُجِرَ﴾: «أي آذوه وأرادوا رجمه».

[3] الكليني، الكافي، ج8، ص283، ح425، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، في سخرية قوم نوح منه عند غرس النوى ونحت الخشب وصنع السفينة.

[4] الكليني، الكافي، ج8، ح151، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾. ونص الرواية: «كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرًّا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا».

[5] الكشي، اختيار معرفة الرجال، ج2، ص628، ح635، في ترجمة حماد السمندري، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «إنك إن مت ثم حشرت أمة وحدك، وسعى نورك بين يديك».