ليس أخطر على الأحزاب الشمولية من إنسانٍ تظهر عليه الأعراض الأولى للتفكير.
فالتفكير، في البيئات التي اعتادت أن تقود الناس بالشعارات الحماسية والهوسات والخطابات الموحَّدة التي تصلح جوابًا عن كل سؤال، وتفسيرًا لكل حادثة، وموقفًا جاهزًا لكل مناسبة، ليس نشاطًا ذهنيًا طبيعيًا، بل مرضٌ وبائي شديد العدوى، ينبغي اكتشافه في مراحله المبكرة قبل أن ينتقل من المصاب إلى سائر أفراد المجموعة.
وتبدأ الأعراض عادةً بصورة بسيطة لا تلفت النظر:
يصمت الرجل قليلًا حين يهتف الآخرون.
ثم يسأل سؤالًا صغيرًا.
ثم لا يكتفي بالجواب الجاهز.
ثم تبدأ الكارثة.
لأن السؤال، في مثل هذه البيئات، ليس مجرد سؤال؛ إنه أول مؤشر على أن العقل قد بدأ يعمل فعلًا، وأولى العلامات المقلقة على استقلاله عن الأجوبة الجاهزة.
والمشكلة في التفكير أنه مرض متدرّج.
فقد يبدأ المصاب بسؤال بريء من قبيل:
«لماذا؟»
ثم لا يلبث أن تتفاقم حالته، فيسأل:
«وما الدليل؟»
فإذا لم يُعالج سريعًا انتقل إلى المرحلة الأخطر:
«ومن قال إن هذا من المسلّمات أصلًا؟»
ثم قد تبلغ العدوى مرحلتها الحرجة فيقول:
«ربما يكون ما قيل لنا طوال هذه السنوات غير صحيح».
ثم يتجرأ على ما هو أخطر:
«وربما يكون الحزب نفسه على خطأ».
وهنا يكون المريض قد دخل العناية الفكرية المركزة، وصار بقاؤه بين الأصحاء خطرًا على الأمن العقائدي للمجموعة كلها.
فالأحزاب الشمولية تستطيع أن تتعايش مع الجاهل، ومع البسيط، ومع المتحمس، ومع الذي لا يعرف شيئًا ولكنه مستعد لأن يهتف لكل شيء.
بل إن هذه نماذج نافعة جدًا، وبعضها يصلح لأن يكون قياديًا أيضًا.
أما الذي يفكر، فهذه مشكلة عظمى.
لأنك تستطيع أن تعطي الجاهل شعارًا فيردده، وأن تعطي المتحمس عدوًا فيكرهه، وأن تعطي البسيط قصةً فيصدقها، ولكن ماذا تفعل مع رجل بدأ يسأل عن الدليل، ويشكك في مسلّمات الحزب، بل يتجرأ أخيرًا على أن يسأل:
«ومن قال إن الحزب نفسه على صواب؟»
ومن هنا طوّرت هذه البيئات، عبر خبرتها الطويلة في مكافحة الوعي، ترسانةً كاملة من مضادات التفكير.
فإذا قال المصاب:
«أنا غير مقتنع بهذا الرأي».
أُعطي فورًا الجرعة الأولى:
«أوَتتّهم زعيم الحزب بالخطأ؟»
فإن لم يستجب:
«يعني كل هؤلاء الناس مخطئون وأنت وحدك المصيب؟»
فإن أظهر جسده العقلي مقاومةً للعلاج:
«من أنت حتى تناقش هذه الأمور؟»
فإن بقيت أعراض التفكير ظاهرةً عليه، قيل له:
«هذه الشبهة قالها فلان الساقط من قبل».
وهذا من أقوى الأدوية؛ لأن المطلوب ليس مناقشة الفكرة، بل إخبارك باسم شخص سيئ السمعة قال شيئًا يشبهها، لعل مجرد اقترانها باسمه يكفي لإسقاطها في نفسك، من غير حاجة إلى النظر في دليلها أصلًا.
وقد يُضاف إلى العلاج:
«هذا الكلام يخدم العدو».
فإذا كان المرض أشد:
«العدو يفرح بكلامك».
وإذا استعصت الحالة تمامًا:
«أنت تضعف الجبهة».
وهذه الأدوية تتمتع بميزة مهمة جدًا: أنها لا تحتاج إلى الإجابة عن أي سؤال.
فإذا سألت عن الدليل، أُجيب عن هويتك.
وإذا ناقشت الفكرة، نوقشت نيتك.
وإذا طلبت برهانًا، سُئلت عن تاريخك.
وإذا اعترضت على نتيجة، ذُكِّرت بعدد أتباعها.
وإذا قلت: «لكن العدد ليس دليلًا»، فهذه وحدها علامة متقدمة على استفحال المرض.
والأطرف أن منطقًا كهذا يجعل الأشخاص طريقًا إلى معرفة الحق، مع أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول:
«إن دين الله لا يُعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله».
أي إن المسار الطبيعي أن نعرف الحق فنزن الرجال به، لا أن نختار الرجل أولًا ثم يصبح كل ما يصدر عنه حقًا.
ولكن قلب المعادلة أكثر راحة.
يكفي أن نعرف: من قال؟
فإن قالها مَن نحب فهي بصيرة.
وإن قالها مَن نكره فهي شبهة.
وللتفكير خاصية تجعل مكافحته ضرورةً أمنية؛ فهو معدٍ.
قد يجلس المصاب مع رجل سليم تمامًا، كان إلى الأمس يردد الشعارات مطمئنًا، فيسأله على سبيل الخطأ:
«لكن هل فكرت في هذه المسألة بنفسك؟»
وهنا تقع المصيبة.
لأن الرجل الثاني قد يعود إلى بيته ويفكر فعلًا.
ثم قد يسأل زوجته.
وقد يسمعه ابنه.
وقد يذهب في اليوم التالي إلى صديقه فيقول له:
«تعرف؟ هناك شيء لم أفهمه».
وبذلك تتحول إصابة فردية محدودة إلى بؤرة وبائية.
ولعل من أطرف الصور التي تختصر ما يمكن أن يصنعه العقل الجمعي ما كانت والدتي ـ رحمها الله ـ تحكيه لي: أن مظاهرة خرجت في بيروت احتجاجًا على وعد بلفور، وكان الذين في مقدمتها يهتفون:
«فليسقط وعد بلفور».
وكانوا يمدون كلمة «وعد»، ومع غرابة اسم «بلفور» على أسماع بعض الناس يومئذ، وصل الهتاف إلى مؤخرة المظاهرة وقد فقد معناه، فصار بعضهم يهتف:
«فليسقط واحد من فوق»!
وبصرف النظر عن التوثيق التاريخي لتفاصيل الحكاية، فصورتها بليغة:
قد يبدأ الشعار في مقدمة الجماعة وله معنى، ثم يسافر بين الحناجر حتى يصل إلى آخرها وقد بقي إيقاع الهتاف وضاع معناه.
ومع ذلك يظل الجميع يهتفون.
فالمهم أن يكون الهتاف منسجمًا مع الإيقاع العام.
ولهذا فإن العزل المبكر شديد الأهمية.
يجب أولًا تحذير الناس منه:
«لا تسمعوا له».
فإن سأل أحدهم: «لماذا؟»
قيل له:
«لأن عنده انحرافات».
فإن سأل: «ما هي؟»
فهنا تكون العدوى قد انتقلت إليه أيضًا، وينبغي إدراج اسمه في قائمة المخالطين.
ثم تبدأ مرحلة الحجر الاجتماعي:
هذا مشكوك فيه.
هذا تغير.
هذا لم يعد مثل السابق.
هذا عنده مشكلة.
هذا مغرور بعقله.
هذا يريد أن يتميز.
هذا يحب الشهرة.
هذا متأثر بفلان.
هذا لا يُعرف إلى أين يريد أن يصل.
وكلها تشخيصات طبية دقيقة، تمتاز بأنها لا تمسّ الفكرة التي قالها المريض من قريب ولا من بعيد، ولا تجيب عن شيء من أسئلته، ولا تنقض دليلًا ساقه، ولا تُبطل اعتراضًا أثاره.
فإن فشلت إجراءات العزل، ولم تنفع مضادات التفكير، ولم يتوقف المصاب عن طرح الأسئلة، فلا بد من الانتقال إلى البروتوكول الأخير:
تشويه صورته، وإسقاط اعتباره، وتخوينه، وتفسيقه، وإخراجه من الجماعة معنويًا، حتى يصبح عبرةً لمن يفكر في التفكير.
فلا بد أحيانًا من التضحية بفرد لإنقاذ المجموعة.
غير أن المفارقة العجيبة أن هذا الذي تتعامل معه بعض البيئات بوصفه مرضًا، يدعو القرآن نفسه الإنسان إليه.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
ويمكن التأمل في هذا التعبير:
لم يقل: قوموا جماعةً ثم تفكروا.
بل قال: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
وقد التفت العلامة الطباطبائي في الميزان إلى هذه النكتة، ففسر «مثنى وفرادى» بأنها كناية عن التفرق وتجنب التجمع والغوغاء، حتى يصفو الفكر ويستقيم الرأي.
فكأن من شروط التفكير أحيانًا أن تبتعد قليلًا عن الضجيج.
أن تخرج من وسط الهتاف.
أن تجلس وحدك، أو مع من تثق بعلمه وعقله ودينه، ثم تسأل نفسك بصدق:
لو لم أعرف اسم صاحب هذا الكلام، فهل كنت سأقبله بالدليل نفسه؟
ولو صدر هذا الموقف من خصمي، فهل كنت سأدافع عنه بالحجج نفسها؟
ولو صدر نقيضه من صاحبي، فهل كنت سأجد له الأعذار نفسها؟
إن استطعت أن تفعل ذلك فقد ظهرت عليك، للأسف، أعراض خطيرة جدًا من الاستقلال العقلي.
وهنا نفهم لماذا جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«لا تكوننَّ إمَّعة، تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس».
فالمشكلة ليست أن تكون مع الناس حين يكونون على حق.
وإنما أن يكون كون الناس مع شيء هو دليلك على أنه حق.
أن تستبدل ميزان الحقيقة بميزان الجماعة.
وأن يصبح جوابك عن كل سؤال:
«الناس هكذا».
«جماعتنا هكذا».
«خطنا هكذا».
«نحن تربينا على هذا».
فإذا كان هذا هو الدليل، فقد استراح العقل نهائيًا من وظيفته.
والأوضح من ذلك ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين نهى عن وطء أعقاب الرجال، فلما سئل عن معناه قال:
«إياك أن تنصب رجلًا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال».
وهذه قاعدة ثقيلة جدًا على العقل الحزبي.
فالمشكلة ليست في أن يكون لك عالم ترجع إليه، أو قائد تثق به، أو خبير تستشيره.
المشكلة تبدأ حين تنتقل من:
«أثق بهذا الرجل».
إلى:
«هذا الرجل لا يخطئ».
ومن:
«أرجّح أن موقفه صحيح».
إلى:
«لا أسمح لنفسي أصلًا أن أسأل هل موقفه صحيح».
ومن:
«عندي دليل على صحة ما يقول».
إلى:
«قوله هو الدليل».
والمشكلة أن الأحزاب الشمولية لا تقول للناس صراحةً:
«لا تفكروا».
بل تقول لهم:
«فكروا».
ولكن فكروا بالطريقة التي فكرنا بها.
واسألوا الأسئلة التي وضعنا لها أجوبة.
وابحثوا، بشرط أن تصلوا إلى النتيجة التي وصلنا إليها.
وناقشوا، ولكن لا تناقشوا المسلّمات.
واستعملوا عقولكم، ولكن وفق تعليمات الاستخدام المرفقة عند التسليم.
فالعقل عندهم جهاز ممتاز، بشرط أن يبقى موصولًا بالخادم المركزي.
أما أن يعمل مستقلًا، فتلك علامة اختراق.
ولهذا قد تسمعهم يمجّدون «البصيرة» كثيرًا، ولكن البصيرة عندهم لا تعني أن ترى بنفسك، بل أن ترى ما يرونه.
ويمجّدون «الوعي»، ولكن الوعي هو أن تعرف ما يريدون منك أن تعرفه.
ويمجّدون «التحقيق»، ولكن التحقيق أن تبحث طويلًا ثم تعود إليهم بالنتيجة نفسها.
أما إذا بحثت فوصلت إلى غير ما يريدون، فهذه ليست نتيجة بحث؛ هذه «شبهة».
وكأن المطلوب من العقل ليس أن يكتشف الحقيقة، وإنما أن يقوم برحلة طويلة ليعود في النهاية إلى المكان الذي طُلب منه أن يصل إليه منذ البداية.
ولعل أخطر مراحل عدوى التفكير حين يكتشف الإنسان حقائق بسيطة جدًا:
أن الأشخاص يخطئون.
وأن الجماعات تخطئ.
وأن كثرة الأتباع لا تصنع برهانًا.
وأن التضحية لا تجعل كل قرار صحيحًا.
وأن قداسة الهدف لا تمنح القداسة لكل وسيلة تُرفع باسمه.
وأن الدين شيء، وفهمنا للدين شيء آخر.
وأن بإمكان الإنسان أن يحب شخصًا ويحترمه ويعترف بفضله، ثم يقول مع ذلك:
«لقد أخطأ هنا».
من غير أن تسقط السماء على الأرض.
بل لعل من أخطر ما يعلّمه القرآن للإنسان أنه لن يستطيع يومًا أن يلقي مسؤولية عقله على الآخرين.
فهو يحكي عن قوم يقولون:
﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.
ويحكي عن آخرين وقد انتهى كل شيء:
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
فالإنسان يستطيع أن يستعين بعقل غيره، وأن يستشير أهل العلم والخبرة، وأن يستفيد من تجارب الآخرين، ولكنه لا يستطيع أن يتنازل لأحد عن مسؤوليته الأخيرة في أن يسمع ويعقل.
ومن حقه، بل ربما من واجبه أحيانًا، أن يقول لمن قضى عمره يلقنه ما يجب أن يفكر فيه:
هات دليلك.
هذه العبارة الصغيرة هي أخطر أعراض المرض.
لأن الإنسان الذي يطلب الدليل يصعب أن يعود بعد ذلك إلى حياة الشعارات الآمنة.
وحين يعتاد عقله السؤال، لن يعرف أحد أين يتوقف.
ولذلك فإن أفضل وسيلة للوقاية من هذا الوباء هي أن يتلقى الإنسان منذ طفولته اللقاح المناسب:
أن يتعلم أن السؤال سوء أدب.
والاعتراض ضعف يقين.
والاختلاف خروج عن الجماعة.
والنقد خدمة للعدو.
والشك خيانة.
وأن أرقى درجات العقل أن يكتشف، بعد تفكير طويل وعميق ومستقل تمامًا، أن الحزب كان على حق منذ البداية.
لكن لهذه الأوبئة مشكلةً يعرفها أهل الاختصاص جيدًا:
إذا فاتت مرحلة الاكتشاف المبكر، لم يعد عزل المصاب الأول كافيًا.
فقد يكون قد جلس إلى آخر، والآخر إلى ثالث، وقد يكون السؤال الذي بدأ همسًا في رأس شخص واحد قد صار يدور في رؤوس كثيرة:
«لماذا؟»
«وما الدليل؟»
«ومن قال إن هذا من المسلّمات؟»
وعندئذ لا تعود المشكلة في فرد يمكن عزله، ولا في صوت يمكن إسكاتُه؛ لأن العدوى تكون قد انتقلت من الأشخاص إلى الأفكار، وصار السؤال نفسه يتنقل من عقل إلى عقل.
وهنا تقع الكارثة الحقيقية.
فقد تستطيع أن تعزل إنسانًا.
وقد تستطيع أن تشوّه سمعته.
وقد تستطيع أن تمنع الناس من سماعه.
لكن ماذا تفعل إذا بدأوا يفكرون بأنفسهم؟
عندها يكون أوان العلاج قد فات.
وتكون عدوى التفكير قد بدأت تنتشر.
