من الصفات التي أرادها أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم، وألحّت عليها كلماتهم إلحاحاً لافتاً: العقل، والفهم، والفطنة، والبصيرة.
فحين وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) شيعته قال عنهم:
«فهم الكاسة الألبّاء، والخاصّة النجباء».
الكاسة: أهل الكياسة والفطنة. والألباء: أصحاب العقول والألباب.
ثم تأتي كلمة أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) كأنها تفسر هذه النجابة وتكشف عن معدنها:
«وسوف ينجب من يفهم».
فالنجابة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست أن تحفظ أكثر، ولا أن تردد أكثر، ولا أن يكون صوتك أعلى، وإنما أن تفهم.
بل إن كلماتهم ترفع «الفهم» إلى منزلة أسمى من مجرد الذكاء والقدرة على التحليل.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون مُحَدَّثاً».
فقيل له:
«أو يكون المؤمن مُحَدَّثاً؟»
قال:
«يكون مُفَهَّماً، والمُفَهَّم مُحَدَّث».
وعن الإمام الرضا (عليه السلام):
«إني أحب أن يكون المؤمن مُحَدَّثاً».
فقيل له:
«وأي شيء المحدث؟»
قال:
«المُفَهَّم».
وتأمل التعبير جيداً:
لم يقل: أحب أن يكون المؤمن كثير المعلومات، ولا كثير الكلام، ولا حتى «فاهماً» فحسب.
قال:
«مُفَهَّماً».
كأن هناك وراء الفهم الصحيح لوناً من التوفيق والتسديد، ونوراً يقذفه الله في قلب من صفا عقله وصدق في طلب الحق.
حتى إن أهل البيت (عليهم السلام) عبّروا عن هذه المرتبة بلفظ بالغ الدلالة:
«المُفَهَّم مُحَدَّث».
وللتحديث في النصوص مراتب وصور، ولا يلزم أن يكون كل مُفَهَّم ممن يسمع كلام الملك مباشرة؛ ولكن من أعلى مصاديقه وأوضحها ما حكاه القرآن عن مريم بنت عمران (عليها السلام)، حين خاطبتها الملائكة:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾،
وحين قالت لها:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.
وكذلك كانت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) مُحَدَّثة؛ وقد ورد أن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتيها بعد وفاة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيحسن عزاءها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه وما يكون بعدها في ذريتها، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب ما يحدثها به، فكان ذلك «مصحف فاطمة» الذي صار من مواريث الأئمة (عليهم السلام).
فالذي يحبه أهل البيت في شيعتهم ليس إنساناً يحسن الترديد فحسب.
إنهم يريدونه عاقلاً، فطناً، بصيراً، مُفَهَّماً.
يرى بعينيه، ويفهم بقلبه، ويميز الحق حين تختلط الأصوات والرايات.
ولهذا لم تكن كثرة العبادة، على جلالتها، كافية عندهم للحكم على الإنسان.
وصف إسحاق بن عمار للإمام الصادق (عليه السلام) جاراً له، فقال:
«إن لي جاراً كثير الصلاة، كثير الصدقة، كثير الحج، لا بأس به».
وهو وصف قد يكفي عند كثير منا اليوم لأن نضع الرجل في مصافّ الخواص، ونستشهد بتقواه، ونطمئن إلى رأيه وموقفه.
أما الإمام (عليه السلام)، فلم يسأله عن عدد حججه، ولا عن طول صلاته، ولا عن مقدار صدقاته.
سأله سؤالاً واحداً:
«يا إسحاق، كيف عقله؟»
قال:
«جعلت فداك، ليس له عقل».
فقال (عليه السلام):
«[لا ينفع]».
وجاءت الكلمة النبوية أصرح من ذلك:
«إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله».
ويبلغ التعبير غاية أشد في حديث الإمام الرضا (عليه السلام)، حين ذُكر عنده بعض أصحابهم وجرى الكلام في العقل، فقال:
«لا يعبأ بأهل الدين ممن لا عقل له».
وللعلاقة بين العقل والدين والحياء صورة عجيبة أخرى في رواياتهم (عليهم السلام).
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
«هبط جبرئيل على آدم (عليه السلام) فقال: يا آدم إني أُمرت أن أُخيرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنتين. فقال له آدم: يا جبرئيل وما الثلاث؟ فقال: العقل والحياء والدين. فقال آدم: إني قد اخترت العقل. فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه. فقالا: يا جبرئيل إنا أُمرنا أن نكون مع العقل حيث كان. قال: فشأنكما، وعرج».
كأن الرواية تريد أن تقول: إذا جاء العقل حقاً، لم يأت وحده.
الدين والحياء يتبعانه.
ولعل هذا يفسر شيئاً مما نشهده أحياناً من فجور عجيب في الخصومة.
قد يناقشك إنسان فتجتهد في أن تعطيه حقه، وألا تنسب إليه ما لم يقل، وأن تنقل كلامه بأمانة، وأن تزن عبارتك بميزان العلم وأدب الحوار، ثم لا تواجه من الطرف الآخر دليلاً بدليل، ولا مناقشة بمناقشة، وإنما تواجه كذباً وافتراءً واتهاماً وتخويناً، أو شتماً وسباباً وسخريةً ونيلاً من الأعراض.
وهنا لا يعود الخلل خللاً في «أسلوب النقاش» فحسب.
فالكذب والافتراء والاتهام بالباطل خلل في الدين.
والشتم والسباب والنيل من الأعراض خلل في الحياء.
وقد قال الإمام الكاظم (عليه السلام):
«إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه».
فحتى الهوى، على شدته، لا ينبغي أن يبلغ بالعاقل أن يستحل الكذب على خصمه.
وإذا رأيت الدين والحياء يغيبان عن الخصومة معاً، فلعلك أحوج ما تكون إلى أن تفتش عن الثالث الذي أُمرا أن يكونا معه حيث كان:
العقل.
وحينئذ يعود سؤال الإمام الصادق (عليه السلام) لإسحاق بن عمار أكثر إلحاحاً:
«كيف عقله؟»
وهذا كله يكشف عن حقيقة ينبغي ألا تغيب عنا:
لم تكن كثرة المنتسبين إلى أهل البيت (عليهم السلام) قيمةً في نفسها إذا كان الانتساب لا يصحبه عقل وبصيرة وفهم.
فهم لم يريدوا مجرد اسم يضاف إلى الأسماء، وإنما أرادوا إنساناً بصيراً.
إنساناً لا يسلّم عقله لأحد.
لا يتحول إلى صدى لجماعته.
لا يستبدل البرهان بالشعار.
ولا يرى نفسه معذوراً في أن يغمض عيني قلبه، لمجرد أن كثيرين من حوله فتحوا أفواههم بالهتاف.
فالشيعي، في التعبير العجيب للإمام الصادق (عليه السلام)، ليس صاحب عينين فحسب:
«إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب».
بعيني الرأس يرى الأشخاص والأحداث والمواقف.
وبعيني القلب يزن ويميّز ويبصر ما وراء الظواهر؛ فيفرق بين الدليل والدعاية، وبين الدين وما أُلصق بالدين، وبين المقدس حقاً وما ألبسته الأهواء والسياسة والعصبية ثوب القداسة.
ولكن هنا أخشى من سوء فهم أريد أن أقطع الطريق عليه.
حين أتكلم عن العقل والفهم والنجابة والبصيرة، فأنا لا أتكلم عن نخبة أكاديمية، ولا عن طبقة من العلماء وطلاب الحوزات، ولا عن أصحاب الشهادات والألقاب.
فبين العلم والفهم بون شاسع.
ورب رجل امتلأ رأسه بالمعلومات، ولم يُرزق منها نوراً يهتدي به.
ورب رجل لم يقرأ كتاباً، ولكن في قلبه من صفاء الفطرة، وسلامة الذوق الديني، ومعرفة محكمات دينه، ما يحجزه عن بدع وشبهات وانحرافات يستسيغها من هو أكثر منه قراءة، وأطول منه عمامة، وأغزر منه اصطلاحاً.
ولعل من أبلغ ما يصور هذه المفارقة قول الإمام الصادق (عليه السلام):
«تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم، وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح».
يا لها من صورة!
لسان يكاد لا يخطئ بلام ولا واو، وقلب أشد ظلمة من الليل.
ولسان يعجز حتى عن الإفصاح عما في داخله، وقلب يزهر كالمصباح.
فليس كل من أحسن الكلام قد أحسن الفهم.
وليس كل من عجز عن البيان قد عجز عن البصيرة.
وقد رأيت من هذا شيئاً قريباً مني جداً.
رأيت جدتي، وهي لا تعرف القراءة والكتابة، ورأيت عندها من صفاء الفطرة، وبساطة التدين، وسلامة الفهم، ما يجعلني أحياناً، أمام بعض ما أسمعه اليوم من أدعياء العلم، أتساءل:
من كان أمياً حقاً؟
وأذكر لها قصة بقيت عالقة في ذاكرتنا العائلية.
حين نزحت أسرتنا من البقاع إلى منطقة الأوزاعي في خمسينيات القرن الماضي، مرض أحد أعمامي، فذهبت جدتي، على بساطتها، إلى المقام المعروف هناك بقبر الإمام الأوزاعي. لم تكن تعرف من صاحبه، وإنما بلغها أنه من الأولياء والصالحين، فكنست ما حول قبره بطرف غطاء رأسها، وتوسلت إلى الله أن يشفي ولدها.
وفي تلك الليلة رأت في منامها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تحيط به هالة من نور، يخاطبها:
«يا حاجة أم موسى، أنتم الشيعة تذهبون إلى هناك»،
وأشار بيده نحو الشرق، جهة النجف الأشرف التي كانت قد زارتها من قبل، ثم أشار إلى جهة الغرب، حيث مقام الأوزاعي، وقال لها بما بقي في ذاكرتها:
«وهذا المكان ليس لكم، فلا تذهبوا إليه».
فلما أصبحت سألت والدي، وكان أكبر أولادها وأوسعهم معرفة بأمور الدين، فشرح لها من يكون الأوزاعي، وأنه ليس على مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
كانت كلمات قليلة.
ولم تحتج جدتي إلى جدال طويل، ولا إلى عشرات الكتب، ولا إلى محاضرات في الهوية والمذهب.
فمنذ ذلك اليوم لم تطأ ذلك المكان بقدمها حتى توفيت سنة 1998.
ولا أروي هذا المنام احتجاجاً به في دين أو عقيدة، وإنما أرويه لأنه بقي في ذاكرتي مثالاً على ذلك اللون من التدين البسيط الواضح الذي عرفناه عند أجيال من أمهاتنا وجداتنا:
تدين بسيط في صورته، راسخ في محكماته.
يعرف أين يقف، ومن يتبع، ولا يحتاج في كل مرة إلى أن تعاد صياغة البديهيات له بألف مصطلح ومائة تأويل.
فالأمية ليست دائماً ألا تعرف قراءة الحروف.
قد تقرأ آلاف الصفحات، ثم تعجز عن قراءة حادثة تقع أمام عينيك.
وقد تحفظ عشرات النصوص، ثم لا تفهم واحداً منها حين يأتي وقت الامتحان.
وقد تعرف دقائق المصطلحات، ثم تخدعك كلمة.
وقد تمتلئ خزانتك بالكتب، ويخلو قلبك من ذلك المصباح الذي قال عنه الإمام (عليه السلام):
«وقلبه يزهر كما يزهر المصباح».
ولهذا كلما تفرقت السبل، واختلط الدين بالأهواء، وكثرت الأسماء والرايات والتأويلات، أتذكر قول شاعر أهل البيت (عليهم السلام) محمد الحرزي:
وقد شتّتِ الأهواءُ كلٌّ ودينُهُ ولا زلتُ شيعيّاً على دينِ جدّتي
أوالي عليّاً لستُ أعبأُ بعدها على أيِّ جنبيها البلادُ استقرّتِ
وأنا أيضاً...
كلما رأيت ما تصنعه الأهواء بالعقول، وما تصنعه العصبيات بالدين، ازددت فهماً لمعنى أن يبقى المرء، وسط كل هذا الضجيج:
على دين جدّته.
