خرج علينا أحد المتحمسين لفكرة فصل الانتساب إلى الحسين عن الاعتقاد بالحسين وبالحق الذي يمثله، بإشكالٍ ظنّه مُحرجاً، مع أن التأمل فيه يكشف أنه أقرب إلى أن يكون حجةً على خلاف ما اراد إثباته من أن يكون إشكالاً علينا، فتتسائل بسخرية:

ما عقيدة الحر بن يزيد الرياحي؟

وهل ثبت أنه كان يعرف تفاصيل الإمامة والعصمة؟ وهل كان يعرف الأئمة الاثني عشر بأسمائهم؟ وهل صلى مع الحسين بعد التحاقه به؟ وهل صام معه؟ وهل خمّس؟ وهل قرأ دعاء الصباح؟

ثم أراد أن يرتب على ذلك أن اشتراط العقيدة في صدق الانتساب إلى الحسين يؤدي إلى إخراج الحر، وربما معظم أصحاب الحسين، من التشيع!

والحقيقة أن هذا السؤال لا يكشف عن مأزق فيما كتبناه، وإنما يكشف عن خلط عنده بين أمرين مختلفين تماماً:

بين الإيمان بالحق والتسليم له، وبين المعرفة التفصيلية بجميع ما يتضمنه ذلك الحق من عقائد وأحكام.

فمن قامت عليه الحجة في آخر ساعات حياته، وانكشف له الدين الحق فآمن به، لا يشترط في صدق إيمانه أن يمهله الموت سنوات حتى يدرس علم الكلام والفقه، ويتعلم جميع تفاصيل العقيدة والشريعة، ثم يصلي ويصوم ويحج ويخمّس.

إنما يكفيه أن يؤمن بالدين الحق الذي قامت عليه الحجة عنده إجمالاً.

فإذا آمن بالنبي بما هو نبي، فقد آمن إجمالاً بما جاء به، وإن لم يعرف جميع تفاصيل رسالته.

وإذا آمن بالإمام بما هو إمام وحجة لله، فقد آمن إجمالاً بما تقتضيه إمامته، وإن لم يدرس بعد جميع مسائل الإمامة والعصمة.

ثم يتعلم التفاصيل ويعمل بها بمقدار ما يمهله العمر.

وهذا ليس حلاً اخترعناه لإنقاذ قصة الحر؛ بل القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام) يضعان بين أيدينا نماذج واضحة لهذه الحقيقة.

سحرة فرعون... وكان حالهم قبل الهداية أسوأ من حال الحر

لنتأمل في سحرة فرعون.

فهؤلاء كانوا ـ من الجهة التي نتحدث عنها ـ أسوأ حالاً من الحر.

فالحر لم يكن يتصور أن القضية ستنتهي إلى أن يقدم القوم على قتل الحسين (عليه السلام) وأهل بيته.

فقد روى المؤرخون أنه لما رأى تصميم القوم على الحرب أقبل على عمر بن سعد وقال له:

«أصلحك الله، أمقاتل أنت هذا الرجل؟»

فقال:

«إي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي».

فقال الحر:

«أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟»

فأجابه عمر:

«أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك».

ثم أخذ الحر يدنو من الحسين شيئاً فشيئاً، حتى سأله المهاجر بن أوس عما به، فقال:

«إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعت وحُرّقت».

ثم لحق بالحسين (عليه السلام)، وقال له في اعتذاره:

«والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة... ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟»

فقال له الحسين (عليه السلام):

«نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك».

فهذا نص الحر نفسه: لم يكن يتصور أن القوم سيبلغون بالحسين هذه المنزلة، وإنما كان يتوقع أن تنتهي القضية بقبول شيء مما عرضه الحسين عليهم.

أما سحرة فرعون فكان مبدؤهم أسوأ من ذلك بكثير.

لقد دخلوا المواجهة أصلاً لينصروا فرعون على نبي الله موسى، بل جاءوا يشارطون فرعون على الأجر:

﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.

[الأعراف: 113 ـ 114]

فالمشهد في بدايته واضح:

مواجهة موسى، والانتصار لفرعون، والأجر، والقرب من السلطان.

ثم ألقى موسى عصاه.

وكان هؤلاء أهل الاختصاص بالسحر، فعرفوا أن ما رأوه ليس من جنس صناعتهم، وأن الحجة قد قامت.

فماذا صنعوا؟

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.

[طه: 70]

وهنا موضع الشاهد.

لم يقولوا:

نحن باقون في ولائنا لفرعون، ولكننا اقتنعنا بمنهج موسى في نصرة بني إسرائيل الذين يظلمهم فرعون!

ولم يقولوا:

نحن باقون على عبوديتنا لفرعون وعقيدتنا السابقة، ولكننا وجدنا موسى يقاوم طاغية، فنحن «موسويون منهجاً» وإن كنا فرعونيين عقيدة!

ولم يقولوا:

عقيدتنا شيء، وعقيدة موسى شيء آخر، ولكننا نلتقي معه في مقاومة الظلم ونصرة المستضعفين!

بل قالوا:

﴿آمَنَّا﴾.

وبماذا آمنوا؟

﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.

أي إن قيام الحجة لم يدفعهم إلى مجرد تبني «منهج موسى» في بعض المواقف، مع بقائهم خارجه عقدياً، وإنما نقلهم من معسكر فرعون إلى الإيمان بالحق الذي يمثله موسى وهارون.

لم يكونوا بحاجة ـ قبل صدق إيمانهم ـ إلى أن يتعلموا جميع تفاصيل الشريعة الموسوية.

لم يصوموا مع موسى شهراً.

ولم يهاجروا معه.

ولم يمض على إيمانهم يوم.

لقد قامت الحجة، فقالوا:

﴿آمَنَّا﴾.

وهذا إيمان إجمالي بالحق وبما جاء به صاحبه، وإن لم يعرفوا تفاصيله.

والأعجب من ذلك مقدار التحول الذي وقع في أرواحهم خلال لحظات.

فالذين كانوا قبل قليل يسألون:

﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾

صاروا بعد تهديد فرعون لهم بالقطع والصلب يقولون:

﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾.

[طه: 72 ـ 73]

تأملوا المسافة بين العبارتين:

﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾

و:

﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.

قبل لحظات كانت الدنيا عندهم أجراً وقرباً من فرعون.

ثم انكشف لهم الحق، فإذا بسلطان فرعون وعذابه والدنيا كلها تصبح عندهم شيئاً هيناً:

﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.

وهذه مرتبة من الزهد في الدنيا وانكشاف الآخرة للإنسان وهو فيها لا يبلغها كثير ممن أمضوا أعمارهم في العبادة.

فهل يأتي أحد بعد ذلك ليسأل:

ولكن كم حكماً من شريعة موسى كانوا يعرفون؟

السؤال من أساسه في غير موضعه.

من «آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى» إلى «يا أولياء الله وأحباءه»

وهنا يلفت النظر وجه آخر في المقارنة.

فالهداية المتأخرة لا تعني أن غاية ما يناله الإنسان هي أن يُعفى عنه أو ينجو في الحد الأدنى من النجاة؛ بل قد يقع في لحظة واحدة من التحول الصادق ما يرفع صاحبه إلى مراتب لم يبلغها أناس أمضوا أعماراً طويلة في غير ذلك.

وهذا ما رأيناه في سحرة فرعون: رجال دخلوا الميدان يطلبون الأجر من فرعون والقرب منه، ثم خرجوا من الموقف نفسه وهم ينظرون إلى الدنيا كلها بهذه النظرة:

﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.

والأمر نفسه يستحق التأمل في أصحاب الحسين (عليه السلام)، وخصوصاً من تبدل موقفه في الساعات الأخيرة والتحق به بعد أن كان في الجهة الأخرى، وفي مقدمتهم الحر بن يزيد الرياحي.

فليس الأمر أن الحر غيّر موقفاً سياسياً فحسب، أو قام بعمل شجاع استحق به مجرد الثناء؛ بل إن التحول الذي وقع فيه أدخله في زمرة أنصار الحسين، وهي الزمرة التي تخاطبها زيارة الشهداء بعبارات شديدة الدلالة:

«السلام عليكم يا أولياء الله وأحباءه، السلام عليكم يا أصفياء الله وأوداءه، السلام عليكم يا أنصار دين الله، السلام عليكم يا أنصار رسول الله، السلام عليكم يا أنصار أمير المؤمنين... السلام عليكم يا أنصار أبي عبد الله».

ثم تقول:

«بأبي أنتم وأمي، طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم، وفزتم فوزاً عظيماً، فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم».

وفي بعض صيغ الزيارة المنقولة:

«فأفوز معكم في الجنان مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً». وقد نقلت هذه الزيارة في المزار للشهيد الأول.

فتأملوا طبيعة الأوصاف:

«أولياء الله وأحباءه».

«أصفياء الله وأوداءه».

«أنصار دين الله».

«أنصار رسول الله».

«أنصار أمير المؤمنين».

ثم:

«أنصار أبي عبد الله».

ثم الحكم بعاقبتهم:

«فزتم فوزاً عظيماً».

فالقضية إذن أبعد بكثير من مجرد أن شخصاً وقف في معركة إلى جانب مظلوم.

إنها انتقال إلى معسكر الدين نفسه؛ ولذلك لم تصفهم الزيارة بأنهم «أنصار المظلوم» فحسب، بل بدأت من:

«أنصار دين الله»

ثم ربطتهم برسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).

وهنا تظهر المفارقة بوضوح أكبر.

من كان فيهم قد اهتدى والتحق بالحسين في آخر ساعاته لم يكن تأخر هدايته حاجزاً دون أن يصبح بعد صدق تحوله من أنصار أبي عبد الله، وأن يدخل في هذا الأفق من الولاية والقرب والفوز العظيم.

ولا نقول إن مجرد تبديل موقف في ساعة واحدة يجعل كل أحد في هذه المرتبة؛ وإنما الكلام في صدق التحول نفسه: إذا انكشف الحق للإنسان فانتقل إليه إيماناً وولاءً وموقفاً، فقد تكون الساعة الأخيرة من عمره أعظم ساعات عمره كله.

والحر هو المثال الذي نحن بصدده.

فمن أراد أن يحتج بالحر على إمكان فصل «الحسينية» عن عقيدة الحسين، فقد استشهد بمن تكشف قصته عن العكس تماماً:

لم يصبح الحر حسينياً لأنه تشابه مع الحسين في فعلٍ خارجي؛ بل لأنه حين عرف الحق انتقل إليه، وتاب إلى الله، ودخل في معسكر الحسين، حتى صار من أنصاره.

«إنه لم يعرف شيئاً من هذا غير ساعته تلك»

ولدينا في الكافي رواية تكاد تكون قد وردت جواباً عن الإشكال نفسه.

روى الكليني عن معاوية بن وهب قال:

«خرجنا إلى مكة ومعنا شيخ متأله متعبد لا يعرف هذا الأمر، يتم الصلاة في الطريق، ومعه ابن أخ له مسلم، فمرض الشيخ، فقلت لابن أخيه: لو عرضت هذا الأمر على عمك لعل الله أن يخلصه».

فقال بعض من كان معهم:

«دعوا الشيخ حتى يموت على حاله فإنه حسن الهيئة».

ولكن ابن أخيه لم يصبر، فقال له: «يا عم، إن الناس ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا نفراً يسيراً، وكان لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من الطاعة ما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان بعد رسول الله الحق والطاعة له».

قال معاوية بن وهب:

«فتنفس الشيخ وشهق وقال: أنا على هذا، وخرجت نفسه».

ثم يقول:

«فدخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام)، فعرض علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: هو رجل من أهل الجنة».

فقال له علي بن السري:

«إنه لم يعرف شيئاً من هذا غير ساعته تلك!»

فقال الإمام (عليه السلام):

«فتريدون منه ماذا؟ قد دخل والله الجنة».

(الكافي، ج2، ص440).

فتأمل العبارة:

«إنه لم يعرف شيئاً من هذا غير ساعته تلك».

لم يمض عليه في معرفة «هذا الأمر» سنة، ولا شهراً، ولا يوماً.

بل عُرض عليه أصل الحق في آخر لحظاته فقال:

«أنا على هذا».

فقال الإمام:

«فتريدون منه ماذا؟ قد دخل والله الجنة».

فالإمام نفسه لم يجعل النجاة متوقفة على أن يعيش بعد إيمانه مدة يتعلم فيها جميع تفاصيل الإمامة وأحكامها؛ لأنه حين قامت عليه الحجة في المقدار الذي عُرض عليه قبل الحق وقال:

«أنا على هذا».

وأنا أسأل السؤال نفسه:

فتريدون من الحر ماذا؟

إذا اتضح له في الساعة الأخيرة أن الحق مع الحسين، وأن الموقع الذي يقف فيه سيقوده إلى حرب الحسين، فتركه، وأقبل إلى الحسين، وتاب إلى ربه، وقال إنه يختار الجنة على النار، ثم واسى الحسين بنفسه حتى مات بين يديه؛ فماذا تريدون منه بعد ذلك؟

هل كان ينبغي أن نوقف معركة الطف سنة حتى يأتي موعد الخمس فنختبر هل سيخمّس؟

أم نؤجلها إلى شهر رمضان حتى نتأكد أنه يصوم؟

أم نعقد له قبل الشهادة امتحاناً في مباحث العصمة؟

وما علاقة «دعاء الصباح» بأصل صدق الإيمان من الأساس؟!

هذا كله خلط بين الإيمان بالشيء وبين المعرفة التفصيلية بجميع لوازمه وأحكامه.

«يا بني، دينك خير دين، اعرضه علي»

ولدينا في الكافي شاهد آخر بالغ الوضوح.

روى الكليني عن زكريا بن إبراهيم قال:

«كنت نصرانياً فأسلمت وحججت، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)... فقلت: إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟»

فسأله الإمام عن أكلهم لحم الخنزير، فلما أخبره أنهم لا يأكلونه قال له:

«لا بأس، فانظر أمك فبرها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها».

وهذه العبارة نفسها تستحق التأمل.

فالمرأة في تلك اللحظة كانت لا تزال نصرانية، ومع ذلك أمره الإمام منذ ذلك الوقت أن يكون هو الذي يلي شأنها عند موتها.

ثم رجع زكريا إلى الكوفة، وأخذ يبالغ في بر أمه، يقول:

«ألطفت لأمي، وكنت أطعمها، وأفلي ثوبها ورأسها، وأخدمها».

فاستغربت أمه منه ذلك وقالت:

«يا بني، ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية؟»

فقال:

«رجل من ولد نبينا أمرني بهذا».

فقالت:

«هذا الرجل هو نبي؟»

قال:

«لا، ولكنه ابن نبي».

إلى أن قالت:

«يا بني، دينك خير دين، اعرضه علي».

قال زكريا:

«فعرضته عليها فدخلت في الإسلام، وعلمتها، فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة».

ثم لم تمض عليها بعد إسلامها أيام ولا أسابيع؛ بل:

«عرض لها عارض في الليل، فقالت: يا بني، أعد علي ما علمتني، فأعدته عليها، فأقرت به وماتت».

ثم يقول زكريا:

«فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها، وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها».

(الكافي، ج2، ص160).

وهذه الرواية أبلغ مما كنا نحتاج إليه.

امرأة قضت عمرها على النصرانية، ثم انكشف لها خير الإسلام في الساعات الأخيرة من حياتها فقالت:

«دينك خير دين، اعرضه علي».

فعرضه عليها ولدها فقبلته.

فماذا حصل؟

ترتب عليها فوراً حكم المسلمة.

صلّت ما أدركته من الصلوات.

وأعادت إقرارها بالدين عند الاحتضار.

وماتت على ذلك.

ثم غسلها المسلمون.

وصلى عليها ولدها صلاة المسلمين.

ونزل في قبرها.

بل إن الإمام الصادق (عليه السلام) كان قد قال لولدها قبل إسلامها:

«فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها».

فلم يكن إسلامها متوقفاً على أن تعيش بعده سنة لتصوم رمضان وتحج وتزكي وتتعلم أبواب الشريعة.

دخلت في الإسلام حين عُرض عليها الحق فقبلته، ثم عملت بما أدركته من أحكامه في الساعات التي بقيت من عمرها.

وهذا هو أصل الانتماء إلى الدين.

قد تكون الساعة الأخيرة هي التي تحدد عاقبة العمر

وفي روضة الكافي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في قصة عابد من بني إسرائيل أراد الشيطان إغواءه من طريق العبادة نفسها.

فتمثل له عابداً شديد العبادة، وأوهمه أن سر قوته على العبادة أنه ارتكب ذنباً ثم تاب منه، ثم دله على امرأة بغي وأمره أن يذهب إليها فيقع في المعصية ثم يتوب!

فذهب العابد إليها.

فلما رأته المرأة على هيئة أهل العبادة استغربت مجيئه وقالت له:

«إنك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها، فأخبرني بخبرك».

فلما قص عليها ما جرى قالت له:

«يا عبد الله، إن ترك الذنب أهون من طلب التوبة، وليس كل من طلب التوبة وجدها، وإنما ينبغي أن يكون هذا شيطاناً مُثّل لك، فانصرف فإنك لا ترى شيئاً».

فانصرف العابد ولم يقع في المعصية.

ثم يقول الإمام (عليه السلام):

«وماتت من ليلتها، فأصبحت فإذا على بابها مكتوب: احضروا فلانة فإنها من أهل الجنة».

فارتاب الناس في أمرها ولم يدفنوها ثلاثة أيام، فأوحى الله إلى نبي من الأنبياء:

«أن ائت فلانة فصل عليها، ومر الناس أن يصلوا عليها، فإني قد غفرت لها وأوجبت لها الجنة بتثبيطها عبدي فلاناً عن معصيتي».

(روضة الكافي، ج8، ص385).

وليس الشاهد هنا تبدل العقيدة؛ وإنما أن الموقف الصادق في آخر العمر قد يكشف تحولاً حقيقياً في الإنسان ويغير عاقبته.

فالحق لا يفقد أثره لأن الإنسان اهتدى إليه متأخراً.

فلنعد الآن إلى الحر

ما الذي فعله الحر؟

هل بقي في معسكر ابن سعد وقال:

أنا باق معكم عقيدة وولاءً، ولكني أتبنى «المنهج الحسيني» في رفض الظلم؟

هل قال:

أنا لا أؤمن بالحسين بما يمثله، ولكني «حسيني المنهج» لأنني أحب نصرة المستضعفين؟

كلا.

قال:

«إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت».

ثم جاء إلى الحسين يقول:

«إني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟»

فقال له الحسين:

«نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك».

وهذا هو جوهر قصته.

الحر لم يُعِد تعريف الحسينية حتى تشمل موقعه السابق؛ وإنما غيّر موقعه ليدخل في الحسينية.

وهنا تنهار المغالطة من أساسها.

فما كتبناه لم يكن أن الحسيني يجب أن يكون متكلماً يعرف جميع تفاصيل مباحث الإمامة.

بل قلنا:

لا يمكن فصل الانتساب إلى الحسين عن الاعتقاد بالحسين وبالحق الذي يمثله.

قد ينصر مسيحي مظلوماً، ويكون موقفه في ذلك الموقف موقفاً حسناً.

وقد يقاوم ملحد طاغية، ويكون محقاً في هذا المورد.

وقد يتفق شخص مع الحسين في موقف أخلاقي أو سياسي.

ولكن الاشتراك مع الحسين في فعل شيء، والانتساب إلى الحسين بما هو إمام وحجة لله شيء آخر.

وإلا أصبح كل إنسان عادل في قضية من القضايا «حسينياً»، وكل من قاوم ظالماً من أي عقيدة ومنطلق «حسينياً»، ولم يبق للحسين في عنوان «الحسيني» إلا صورة سياسية مجردة يمكن أخذها منه وترك عقيدته ودينه جانباً.

وهذا هو الذي رفضناه.

وشتان بين الحر وبين من يستشهد بالحر!

هذه هي المفارقة الأخيرة.

الحر حين اكتشف أنه في الموقع الخطأ غيّر موقعه.

لم يغيّر تعريف الحق حتى يبقى حيث هو.

لم يقل:

دعونا نوسع مفهوم «الحسيني» بحيث أستطيع أن أبقى في معسكر ابن سعد، ثم أصف نفسي بأنني حسيني المنهج!

ترك ذلك المعسكر، وأقبل إلى الحسين.

الحر لم يطالب الحسين بأن يغير حدود معسكره حتى يستوعبه.

الحر خرج من معسكره ودخل معسكر الحسين.

وهنا تحديداً ينقلب الاستشهاد بالحر على من أراد أن يجعله دليلاً على فصل الحسينية عن العقيدة.

فالحر لم يبق خارج عقيدة الحسين ثم يكتفِ بالتشبه به في موقف أو شعار.

ولم يقل: يكفيني أن أتبنى بعض «منهجه» مع بقائي في الموقع الآخر.

بل حين انكشف له الحق انتقل إليه، وتاب إلى الله، واختار الحسين.

ولا تجعلوا الحر حجة لفكرة فعل نقيضها تماماً؛ فالحر عندما عرف أنه في المعسكر الخطأ لم يقل:

غيّروا تعريف معسكر الحسين حتى يشملني.

بل صنع شيئاً أشجع بكثير:

خرج من معسكره... ودخل معسكر الحسين.

فإن أردتم أن تستشهدوا بالحر، فتعلموا منه أولاً:

ألا تغيّروا تعريف الحق حتى تدخلوا فيه؛ غيّروا موقعكم أنتم.

هذا ما سنح بالبال الفاتر على عجالة في الرد على صاحب هذا المنشور وأما سائر ما تضمنه المنشور من شتائم واتهامات بالنفاق وأوصاف جارحة وألفاظ لا تمت إلى البحث العلمي بصلة، فلا نرى حاجة إلى الوقوف عندها أو مجاراته فيها؛ إذ هي لا تزيد حجته قوة، ولا تعالج شيئاً من محل النزاع، وإنما تكشف عن المستوى الذي هبطت إليه لغة السجال عند صاحبه. ونحن إنما نناقش الفكرة والدليل؛ أما السباب والاتهامات المجانية فنتركها لأصحابها.