قرأت المنشور المعنون بـ«التنازع وأثره في إضعاف جبهة المؤمنين» باهتمام؛ لأنه يحاول أن يناقش المسألة من داخل بناء استدلالي، ويطرح مقدمات تستحق أن تناقش بهدوء وإنصاف.
وقبل الدخول في المناقشة، لا يفوتني أن أشكر صاحب المنشور على أدبه في الحوار وطريقته الهادئة في عرض ما يراه من ملاحظات. ولعل هذا هو ما دفعني إلى التفاعل مع منشوره ومناقشته بشيء من التفصيل؛ فقد كان ـ فيما وقفت عليه من الردود ـ من القليل الذين حافظوا على الطابع العلمي للنقاش، وأبقوا للعلم وللعمامة التي ينتسبون إليها رمزيتهما وحرمتَهما، من غير أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى تجريح شخصي أو إساءة.
ولا أدعي أنه الوحيد؛ فلعل هناك ردوداً أخرى مشابهة تستحق النظر والمناقشة، ولكن كثرة التعليقات وتشعبها، واختلاط الغث بالسمين، والصياح والشتم بالردود العلمية الهادئة، تجعل الإحاطة بها جميعاً متعذرة. ولعلي أوفَّق إلى الوقوف على غير هذا من الأجوبة الجادة، فأنظر فيها بما تستحقه: فما كان فيها حقيقاً بالقبول قبلته، وما كان قابلاً للمناقشة ناقشته. فهذا هو اللون من الحوار الذي أرحب به، سواء انتهينا فيه إلى الاتفاق أم بقي كل منا على رأيه.
وأحب أولاً أن أسجل أنني أتفق معه في جملة من أصول البحث:
أتفق في أن التنازع الذي يفضي إلى تفكك الجماعة وإضعافها أمام عدوها أمر مذموم وخطير.
وأتفق في أن الدفاع، متى تحقق موضوعه وشروطه، لا يتوقف في أصله على إذن خاص من فقيه.
وأتفق ـ وهذه نقطة مهمة جداً ـ في أن الإنسان لا يستطيع في القضايا المشتركة التي ترتد آثارها على الآخرين أن يقول: أنا أعمل بحسب فتوى مرجعي، وعلى غيري أن يعمل بحسب فتوى مرجعه؛ لأن القرار هنا خرج من الدائرة الشخصية إلى دائرة مشتركة، وفرض آثاره على نفوس الآخرين وأموالهم وأوطانهم ومستقبلهم.
وأتفق أيضاً في أن مجرد الفشل العسكري لا يكفي وحده لإثبات خطأ القرار الذي سبقه.
ولكن الإشكال عندي ليس في هذه المقدمات، بل في النتائج التي انتقل إليها المنشور منها، من دون أن أرى أن تلك النتائج تلزم عنها.
أولاً: محل النزاع ليس أصل الدفاع
أنا لا أقول: إذا هجم العدو على الناس ودخل أرضهم واستهدف نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وكان دفعه ممكناً، فليجلسوا في بيوتهم وليتركوه يفعل ما يشاء.
ولم أفهم روايات السكون ولزوم البيوت بهذا المعنى.
فليس السؤال بيننا:
هل ندافع أم نستسلم؟
وإنما السؤال:
متى يصدق عنوان الدفاع؟
وهل كل مبادرة أو عملية أو تصعيد يسميه فاعله دفاعاً يصبح دفاعاً شرعياً بمجرد هذه التسمية؟
وهل لفئة من أبناء وطن واحد أن تتخذ قراراً تعلم أن آثاره قد تجر الحرب والقتل والتهجير والدمار على بقية المواطنين، لمجرد أنها ترى بحسب تقديرها أن هذا هو الأسلوب الصحيح للدفاع؟
ومن الذي يملك، عند الاختلاف، حق الحسم الملزم للجميع؟
إعادة إثبات كبرى وجوب الدفاع لا تجيب عن هذه الأسئلة.
ثانياً: عقد المواطنة وحق الشركاء في الوطن
شبّه صاحب المنشور القضية بالشركة في المال المشاع، وهذا المثال نفسه يقرب الإشكال الذي أطرحه.
فنحن، بوصفنا أبناء وطن واحد، تجمعنا ـ في مقام التقريب ـ شراكة وطنية ينظمها عقد المواطنة.
ولست أريد تطبيق أحكام الشركة الفقهية على الوطن حرفياً، وإنما تقريب طبيعة العلاقة.
والأقرب إلى واقع الدولة الوطنية الموحدة أن يكون الوطن أشبه بالمال المشاع: كل جزء منه حق لجميع أبنائه، وأمنه وسيادته واستقراره واقتصاده ومستقبله ليست ملكاً خاصاً لفئة دون أخرى.
ومن ثم فالقرارات المصيرية التي تنعكس آثارها على الجميع لا يصح أن تستأثر بها جماعة لمجرد امتلاكها القوة أو السلاح أو الخبرة، بل يرجع في تحديد صاحب الصلاحية فيها إلى المؤسسات الدستورية والقانونية التي تنظم عقد الشراكة الوطنية، وتحدد من يملك القرار العام وكيف يحاسب عليه.
ولا يعني هذا أن يستفتى كل مواطن في كل قرار، بل يعني ألا يتحول امتلاك القوة الفعلية إلى ولاية تلقائية على بقية الشركاء.
بل فلنتنزل ونفترض أن الوطن مقسم إلى حصص مفرزة، كما في نظام فيدرالي واسع الصلاحيات، أو حتى ترتيب أقرب إلى الكونفدرالية.
لا يختلف أصل الإشكال.
لو كان جماعة في سفينة، وكان أحدهم يملك جزءاً معيناً مفرزاً منها، ثم رأى ـ عن حسن نية وبحسب خبراء يثق بهم ـ أن من مصلحة السفينة أن يحدث ثقباً في الجزء الذي يملكه، بينما يرى بقية الركاب وخبراء آخرون أن هذا الثقب سيغرق السفينة كلها، فهل يكفيه أن يقول:
هذه حصتي وأنا أملك التصرف فيها؟
من الواضح أن لا.
لا لأن حصته ليست ملكه، بل لأن أثر تصرفه تجاوز حصته إلى حياة الآخرين وأموالهم.
وهذا هو محل الكلام في الوطن.
فإن كانت الشراكة على نحو الإشاعة، فالأمر أوضح.
وإن فرضناها حصصاً مفرزة، فحق الإنسان في حصته لا يبيح له أن يتصرف فيها تصرفاً تترتب آثاره القهرية على بقية الشركاء.
ومن هنا أوافق صاحب المنشور تماماً في أن الإنسان لا يستطيع أن يقول في شأن مشترك:
أنا أعمل وفق فتوى مرجعي.
ولكن السؤال الذي يترتب على كلامه هو:
إذا لم تكن قناعتي الفقهية الشخصية كافية لأفرض عليك آثار قراري، فمن أين تصبح قناعتي العسكرية أو السياسية، أو قناعة الخبراء الذين اخترتهم أنا، كافية لذلك؟
ثالثاً: مثال الحريق يفترض النتيجة المختلف فيها
مثال الحريق الذي ذكره المنشور صحيح إذا افترضنا سلفاً:
أن الحريق قائم فعلاً،
وأن تركه سيهلك المال،
وأن هذا الشخص قادر على إطفائه،
وأن طريقته في الإطفاء عقلائية،
وأن ضررها أقل من ضرر ترك الحريق.
ولكن هذه الأمور نفسها قد تكون محل النزاع.
ماذا لو قال بعض الشركاء: ما تريد القيام به سيؤدي إلى اندلاع حريق يأكلنا جميعاً؟
أو قالوا: ما تسميه إطفاءً سيزيد النار اشتعالاً؟
وماذا لو اختلف الخبراء أنفسهم؟
وماذا لو كان أصل النزاع في أن المبادرة تحفظ المال أو تعرضه لخطر أكبر؟
عندئذ لا يستطيع طرف أن يقول:
أنا وخبرائي نرى أن هذه هي طريقة الإطفاء، إذن يحق لي أن أجربها في مالكم جميعاً.
فالمثال لم يحل محل النزاع، بل افترض حله في مقدماته.
رابعاً: الخبرة لا تساوي الولاية
قال صاحب المنشور إن مسائل التوقيت والكيفية والشدة والضعف وتقدير الخسائر والأرباح ترجع إلى أهل الاختصاص.
وهذا صحيح في المعلومة التخصصية.
فالخبير العسكري يرجع إليه في القدرات العسكرية وموازين القوى.
والاقتصادي في الآثار الاقتصادية.
والسياسي في التوازنات والتحالفات.
ولكن الرجوع إلى الخبير في فنه شيء، وجعله صاحب القرار الملزم للآخرين شيء آخر.
فالطبيب خبير في الطب، لكن خبرته لا تجعله ذا ولاية على المريض.
والمهندس خبير في البناء، لكن خبرته لا تجعله مالكاً للعقار.
والعسكري كذلك لا تصبح له، بمجرد خبرته، ولاية على نفوس المواطنين وأموالهم ومستقبلهم.
بل قرار الحرب أو التصعيد ليس عسكرياً محضاً أصلاً؛ فهو سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني وإنساني ودبلوماسي بقدر ما هو عسكري.
إذن لدينا سؤالان مختلفان:
من الأعلم بالمعلومة العسكرية؟
و:
من يملك القرار الملزم للجميع؟
ولا ينتج الجواب عن الأول الجواب عن الثاني.
خامساً: ﴿ولا تنازعوا﴾... ولكن مَن الذي لا تجوز منازعته؟
هنا نصل إلى الآية التي جعلها صاحب المنشور عنوان بحثه:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
لا إشكال في ذم التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وتفكك الجبهة.
لكن ينبغي أن تقرأ هذه الآية ضمن المنظومة القرآنية نفسها في حسم النزاع:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
ويقول سبحانه:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
فالقرآن جعل للنزاع مرجعاً يرد إليه.
وفي رواياتنا عن الإمام الباقر عليه السلام في آية الطاعة:
«وكيف يأمرهم الله عز وجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم؟»
وهذه عبارة دقيقة جداً.
فعدم جواز المنازعة مترتب أولاً على ثبوت الولاية ووجوب الطاعة.
لا أن الإنسان يصبح صاحب ولاية لأنه خبير، ثم تجب طاعته، ثم تصبح مخالفته منازعة محرمة.
فالترتيب هو:
ولاية ثابتة ← طاعة واجبة ← لا تجوز المنازعة.
أما:
خبرة ← ولاية ← طاعة ← حرمة المنازعة
فهذا يحتاج إلى دليل.
سادساً: ومناسبة حباب بن المنذر نفسها تشهد بذلك
المناسبة التي استشهد بها صاحب المنشور تقول إن حباب بن المنذر اقترح على النبي صلى الله عليه وآله تغيير الموقع، وخالفه آخرون، ووقع التنازع، ثم تقول الرواية:
«وعمل على قول حباب».
إذن إبداء رأي عسكري مخالف لم يكن بنفسه هو التنازع المحرم، وإلا لكان حباب داخلاً فيه.
لكن هناك فارقاً حاسماً:
كان النزاع يقع في محضر رسول الله صلى الله عليه وآله.
كان هناك معصوم فرض الله طاعته، وأمر المختلفين أن يردوا الأمر إليه.
لكل أحد أن يعرض رأيه، ولكن إذا حسم رسول الله الأمر لم يعد لأحد أن يجعل اجتهاده في مقابل أمر من فرض الله طاعته.
فإذا أردنا تنزيل هذا المثال على زماننا، فالسؤال الأول ليس:
هل التنازع مذموم؟
بل:
من هي الجهة التي ثبت شرعاً أنها تملك اليوم حق الحسم على جميع المختلفين، بحيث تصبح مخالفة قرارها منازعة لمن وجبت طاعته؟
وهذه الحلقة هي التي لم يثبتها المنشور.
سابعاً: «فقيه مبسوط اليد» ينقل البحث من الخبرة إلى الولاية
قال صاحب المنشور:
«فكيف إذا كان مضافاً إلى ذلك فقيهاً مبسوط اليد، ويرأس دولة بجيش ومؤسسات لا حصر لها؟!»
وهنا لم نعد نتحدث عن أهل الخبرة، بل دخلنا في بحث الولاية.
فإن كان الملاك هو الخبرة، فلا خصوصية لكونه فقيهاً.
وإن كان الملاك أنه رئيس دولة، فسلطته تحتاج إلى بيان حدودها، وعلى من تنفذ.
أما إذا كان المقصود أن الفقيه المبسوط اليد يملك ولاية شرعية على الشيعة في الدول الأخرى أيضاً، وله أن يتخذ قرارات سياسية وعسكرية ترتد آثارها عليهم وعلى بلدانهم، فهذه دعوى مستقلة تحتاج إلى دليل على أصل هذه الولاية وسعتها.
وعندئذ تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها:
من هو الفقيه الذي ثبتت له هذه الولاية؟
وكيف يحرز موضوعها؟
وماذا إذا تعدد الفقهاء واختلفوا؟
وماذا إذا رأى فقيه أن المصلحة في التصعيد، ورأى آخر أن مصلحة الشيعة في التحفظ؟
هل أحدهما ولي على الآخر؟
وهل يجب على أتباع الثاني ترك اجتهاد مرجعهم والانقياد إلى الأول؟
وهل كون فقيه مبسوط اليد في دولة معينة يكفي ليمنحه ولاية على شيعة يعيشون في دولة أخرى، وربما كانت تداعيات قراره عليهم أعظم من تداعياته على أهل دولته؟
كلما عظمت الولاية المفترضة واتسعت آثارها في الدماء والأموال والمصائر، اشتدت الحاجة إلى وضوح دليلها، وموضوعها، وصاحبها، وآلية الحسم عند تعدد الفقهاء واختلافهم.
ثامناً: وهل يجب أصلاً توحيد القرار الشيعي في زمن الغيبة؟
وهنا سؤال أسبق:
هل ثبت أن مصلحة الشيعة في عصر الغيبة تقتضي أن يكون لهم مركز سياسي وعسكري واحد يحسم فقيه واحد قراراتهم في مختلف الأقطار؟
نحن في زمن لا إمام معصوم ظاهراً بيننا يرد إليه الخلاف.
وعندنا فقهاء متعددون، ومراجع متعددون، واجتهادات متعددة، وكل منهم يبذل وسعه في معرفة حكم الله وتشخيص الوظيفة بحسب ما قامت لديه عليه الحجة.
فلماذا يفترض ابتداءً أن هذا التعدد عيب يجب إزالته؟
ولماذا لا يكون أحياناً من عناصر الحفظ؟
قد يرى فقيه بحسب ما وصل إليه من الأدلة والمعطيات أن المصلحة في موقف معين، ويرى آخر خلافه.
ولا يلزم من ذلك أن يتشاحا أو يتعاديا.
يمكن أن يختلفا ويبقى التعاون والأخوة والنصرة.
بل قد يكون هذا التعدد نفسه عنصر أمان: فإذا أخطأت جهة أو انكسرت، لا ينكسر الجميع معها، ويبقى من إخوانهم من هو قوي قادر على إعانتهم وحماية الكيان وإعادة بناء ما تهدم.
وقد يكون العكس، فتكون الجهة المتحفظة هي المخطئة والجهة المبادرة هي المصيبة.
وهذا الاحتمال مشترك الورود على الطرفين.
فلا مرجعي معصوم من الخطأ، ولا مرجعك معصوم.
والمخرج ليس أن ينسب كل فريق العصمة العملية إلى خياره، بل أن يتحمل كل مجتهد مسؤولية اجتهاده، وكل مكلف مسؤولية ما قامت عنده عليه الحجة، من دون أن يفرض اجتهاد جهة على من لم تثبت لها ولاية عليه.
تاسعاً: من سفينة الوطن الواحدة إلى تعدد السفن في المرجعية
في مستوى الوطن نحن بالفعل في سفينة واحدة؛ ولذلك لا يجوز لأي طرف أن يحدث في نصيبه فعلاً يغرق سائر الركاب.
أما في مستوى المرجعية والاجتهاد في زمن الغيبة، فلا دليل على أن الشارع أركب جميع الشيعة في سفينة سياسية واحدة يقودها فقيه واحد.
قد تكون لهم سفن متعددة، كلها ـ بحسب المفروض ـ تريد أن تسير على هدي الكتاب والسنة وتعاليم أهل البيت عليهم السلام، لكن ربابنتها غير معصومين، وقد تختلف تشخيصاتهم.
وهذا قد يكون من أسباب البقاء:
إذا أخطأ ربان سفينة، لم تغرق السفن كلها معه.
وإذا أصابت جماعة نكبة، بقي غيرها قادراً على إسنادها.
وهذا ليس دعوة إلى تفريق الشيعة، بل هو تمييز بين الوحدة وبين التوحيد القسري للقرار.
يمكن أن تكون العقيدة واحدة، والولاء واحداً، والمودة والتعاون قائمين، من دون أن يكون في زمن الغيبة اجتهاد سياسي واحد وقرار واحد في كل حادثة.
بل قد يكون تحويل اجتهاد بشري واحد إلى مصير إلزامي للجميع هو الذي يجعل الخطأ ـ إذا وقع ـ كارثة عامة.
ولا يناقض هذا ما قلناه في عقد المواطنة؛ لأن المرفوض هناك أن أستند إلى فتوى مرجعي لأفرض آثار فعلي على وطنك ودمك ومالك رغماً عنك.
أما أن يعمل كل إنسان، في حدود ما لا يفرض به آثاراً قهرية على غيره، بما قامت عنده عليه الحجة، فذاك شأن آخر.
عاشراً: الفشل لا يثبت الخطأ، لكنه لا يمنع المراجعة
أتفق مع صاحب المنشور في أن النتيجة السيئة لا تثبت وحدها خطأ القرار.
قد تكون المعلومات ناقصة، أو تقع خيانة، أو تتغير الظروف، أو تخالف بعض الجهات الأوامر.
لكن ذلك لا يعني أن الفشل يصبح واقعة ممنوعاً السؤال عنها.
فالمنهج العلمي لا يقول:
فشلنا، إذن كان القرار خطأً.
ولا يقول:
فشلنا، ولكن متخذ القرار خبير، فلا تسألوا.
بل يسأل:
ما المعلومات التي كانت متاحة؟
وما السيناريوهات التي درست؟
وهل كانت هناك تقديرات وتحذيرات مخالفة؟
وهل كشف الواقع أن بعض الفروض التي بني عليها القرار لم تكن صحيحة؟
وهذا هو معنى المراجعة والتقويم اللذين أقر صاحب المنشور نفسه بحقهما.
حادي عشر: أين ينتهي النقد وتبدأ المنازعة؟
وهنا تظهر مفارقة تحتاج إلى جواب.
صاحب المنشور يقول في ختامه بضرورة «حفظ باب الاختلاف العلمي والنقد المسؤول» و«بقاء حق المراجعة والنقد والتقويم».
وهذا حسن.
لكن إذا كانت الكيفية والتوقيت والشدة والضعف وتقدير الخسائر والأرباح كلها من اختصاص العسكر، وكان مناقشتهم فيها منازعة من الجاهل للخبير، فأين بقي مجال النقد؟
هل يجوز لي أن أقول:
أرى أن هذا القرار بني على تقدير خاطئ لموازين القوى؟
إن جاز، فقد ناقشت الكيفية والتوقيت والمصلحة.
وإن لم يجز، فما الذي بقي من «النقد المسؤول»؟
إذن لا بد من التفريق بين:
النقد والمنازعة،
وبين:
إبداء الرأي وعصيان صاحب الولاية،
وبين:
الرجوع إلى الخبير وتفويضه في القرار.
وأخيراً: السؤال الذي يبقى بلا جواب
أظن أن خلافنا ليس في أصل وجوب الدفاع، ولا في أهمية الخبرة، ولا في ذم التنازع، ولا في أن الفشل لا يدل وحده على الخطأ.
الخلاف في شيء آخر:
من أين جاءت الروابط بين هذه القضايا؟
من أين صار وجوب الدفاع دليلاً على وجوب هذا النمط المعين من الدفاع؟
ومن أين صارت الخبرة ولاية؟
ومن أين صار الرجوع إلى الخبير تفويضاً له في تقرير مصير الآخرين؟
ومن أين نقلنا حرمة منازعة رسول الله والإمام المعصوم ـ بعد ثبوت وجوب طاعتهما ـ إلى كل قائد أو فقيه أو خبير غير معصوم؟
ومن أين ثبت أن فقيهاً مبسوط اليد في دولة معينة يملك أن يلزم بقراره شيعة دول أخرى وفقهاءهم ومراجعهم؟
ومن أين ثبت أن الشارع أراد في زمن الغيبة توحيد القرار السياسي والعسكري لجميع الشيعة تحت فقيه واحد؟
وهل مجرد مناقشة قرار بشري قابل للخطأ، ترتد نتائجه على دمي ومالي ووطني وأهلي ومستقبل أولادي، تصبح «منازعة محرمة» لأن متخذ القرار يرى نفسه ـ أو يراه أتباعه ـ أقدر على التشخيص؟
هذه هي الأسئلة التي تحتاج إلى جواب.
فالآية لم تعلمنا أن نلغي عقولنا عند الاختلاف، وإنما علمتنا أن نرد الاختلاف إلى من ثبت له حق الحسم.
ومن هنا يبقى السؤال الأساس:
من أعطى المتصدي، في زمان غيبة المعصوم، حق اتخاذ قرار يشترك الآخرون معه قهراً في نتائجه؟
إن قيل: وجوب الدفاع، قلنا: النزاع في مصداقه وكيفيته.
وإن قيل: الخبرة، قلنا: الخبرة لا تنشئ ولاية.
وإن قيل: رئاسة الدولة، قلنا: أثبتوا حدود هذه السلطة وعلى من تنفذ.
وإن قيل: ولاية الفقيه، انتقل البحث إلى أصل هذه الولاية وسعتها ودليلها وصاحبها ووظيفة الناس عند تعدد الفقهاء واختلافهم.
وإن قيل: ﴿ولا تنازعوا﴾، قلنا:
أثبتوا أولاً مَن هو صاحب الأمر الذي ثبتت طاعته على المختلفين، ثم تكلموا بعد ذلك عن حرمة منازعته.
ولعل خير ما أختم به هذا البحث ما قاله أستاذنا المرجع الكبير، فقيه أهل البيت (عليهم السلام)، سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه القيّم (فاجعة الطف):
«وما دامت الطائفة في وضعها الحالي تفقد الرعاية الظاهرة من الإمام المعصوم (صلوات الله عليه وعجل فرجه) ولا يتيسر لها تحكيمه في خلافاتها، فلا يحق لأي شخص فرض وجهة نظره على غيره، أو التعدي عليه مادياً أو معنوياً، لعدم قناعته برأيه وانصياعه له».
وهذا الكلام، في تقديري، يضع المسألة في موضعها الصحيح: غيبة المعصوم لا تمنح العصمة لأحد بعده، ولا تحول اجتهاد أحد إلى حجة قهرية على الجميع. نعم، نختلف، ونجتهد، ونستعين بأهل الخبرة، ويدافع كل منا عما قامت لديه عليه الحجة؛ لكن لا يملك أحد، لمجرد ثقته بتشخيصه أو بخبرائه أو بمرجعه، أن يحول اجتهاده إلى إلزام للآخرين في دمائهم وأموالهم وأوطانهم من دون أن يثبت أولاً حقه في هذا الإلزام.
أما تحويل هذا كله إلى سؤال:
هل ندافع عن أنفسنا أم نجلس في بيوتنا حتى يقتلنا العدو؟
فهذا، مع الاحترام، ليس هو محل النزاع.
