سألت إحدى المؤمنات في تعليق لها على منشور لي على صفحتي هذه عن المراد من (العهد) الذي ورد في التوقيع الشريف الصادر عن الناحية المقدسة أنه:
«ولو أن أشياعنا ـ وفّقهم الله لطاعته ـ على اجتماعٍ من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليُمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا، على حق المعرفة وصدقها منهم بنا ..».
وجواباً عن سؤالها أقول: جزاكم الله خيراً على هذا السؤال؛ فإن عبارة «الوفاء بالعهد» الواردة في التوقيع الشريف من العبارات المهمة التي تستحق التأمل، ولا ينبغي أن يُفهم منها مجرد اجتماع الشيعة بعضهم مع بعض، أو مجرد ترك الاختلافات الاجتماعية والسياسية بينهم، وإن كان اجتماع المؤمنين على طاعة الله أمراً مطلوباً في نفسه.
والذي يظهر أن العهد هنا يرتبط قبل كل شيء بالعهد الذي أخذه الله ورسوله على المؤمنين في الإمامة والولاية، ومعرفة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والتمسك بهم، وطاعتهم، وعدم العدول عنهم إلى غيرهم؛ لا أنه عنوان منفصل عن أصل نظام الإمامة.
وهذا الاستظهار له شواهد متعددة:
فأولاً: ورد التعبير عن الإمامة والولاية بـ «العهد» في القرآن وتفسير أهل البيت (عليهم السلام).
قال تعالى في خطاب إبراهيم عليه السلام:
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقد فسرت روايات العهد هنا بالإمامة.
وقال تعالى:
وقال سبحانه:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد﴾:
«العهد ما أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) على الناس من مودتنا، وطاعة أمير المؤمنين، وأن لا يخالفوه ولا يتقدموه ولا يقطعوا رحمه، وأعلمهم أنهم مسؤولون عنه وعن كتاب الله جل وعز».
فإذا كان هذا هو أحد المعاني التي فسرت بها النصوص القرآنية العهد، كان من القريب جداً أن يكون المراد من «الوفاء بالعهد» في التوقيع الشريف هو الثبات على هذا العهد نفسه: عهد الولاية والإمامة، وما يقتضيه من معرفة وطاعة وتسليم.
وثانياً: أن التوقيع لم يقل مجرد «اجتماع» الشيعة، وإنما قال:
«على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد»،
ثم عقّب عليه بقوله:
«على حق المعرفة وصدقها منهم بنا».
وهذا مهم؛ لأن الكلام عن القلوب والمعرفة وصدق المعرفة يشير إلى أن القضية أعمق من مجرد وحدة ظاهرية أو توافق اجتماعي، وإنما تتصل بما ينعقد عليه القلب من الإيمان والمعرفة والولاء.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾،
وقال:
﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾.
ومن هنا كان من حقيقة الوفاء بهذا العهد أن لا يزيغ قلب المؤمن بعد معرفته بأئمة الهدى (عليهم السلام).
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية».
فالتمسك بأمرهم في زمن الغيبة يقابله زيغ القلب؛ والزيغ هو الميل والانحراف عن الحق، كما قال تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
وعليه، فإن اجتماع القلوب على الوفاء بالعهد يمكن أن يفهم بأنه اجتماعها على الثبات على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وصحة معرفتهم، والتسليم لهم، وعدم التقدم عليهم، وعدم استبدال هداهم بمناهج وأطروحات وأدعياء يصرفون الناس عن سبيلهم.
وهذا المعنى يزداد وضوحاً إذا لاحظنا ما ورد من الحث الشديد على الثبات في زمن الغيبة؛ فقد روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام):
«طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، وطوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة».
وهذه من أعظم البشارات؛ لأنها تجعل المعيار في زمن الغيبة هو التمسك، والثبات، والموالاة، والبراءة، والرضا بهم أئمة.
فالعهد، بناءً على ذلك، ليس كلمة مبهمة، وإنما يمكن تلخيصه في أمور مترابطة:
معرفة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حق المعرفة، والرضا بهم أئمة، والتمسك بولايتهم، والتسليم لهم، وطاعتهم، وعدم التقدم عليهم أو العدول عن هداهم، والثبات على ذلك في زمن الغيبة، والبراءة من أعدائهم، وأن يصدق العمل ما انعقد عليه القلب من هذه المعرفة.
ومن هنا أيضاً يظهر أن قوله (عليه السلام): «اجتماع من القلوب» لا يعني بالضرورة أن كل اختلاف بين الشيعة هو الذي يؤخر الظهور، ولا يصح أن نحمل التوقيع ما لا يحتمله فنحوّل كل اختلاف فقهي أو فكري أو اجتماعي إلى سبب مباشر لتأخير الفرج.
وإنما الذي يدل عليه سياق التوقيع ـ وخصوصاً قوله: «على حق المعرفة وصدقها منهم بنا» ـ هو اجتماع القلوب على الوفاء بعهد الإمامة والولاية، والثبات على معرفتهم واتباعهم.
ولهذا كانت الفتنة في زمن الغيبة خطيرة جداً؛ لأن الخطر الأكبر ليس مجرد أن يختلف الناس في بعض شؤونهم، وإنما أن تميل القلوب بعد الهداية، أو تُصرف عن أئمة الهدى إلى أدعياء أو مناهج أو رايات تجعل لنفسها من الطاعة والاتباع ما هو من حق الحجج الذين نصبهم الله تعالى.
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
««إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق».»
فقد يأتي الانحراف في صورة كلام جميل وشعارات براقة وحسن بيان، حتى يظنه الإنسان امتداداً لطريق أهل البيت، بينما يكون الميزان الحقيقي هو: هل بقي تابعاً لهم، أم صار يقدّم عليهم غيرهم؟ وهل بقي يستمد عقيدته ومنهجه وموازينه منهم، أم استبدل بهم مرجعيات أخرى ثم أبقى اسم التشيع؟
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن من أوضح وظائف المؤمن في زمن الغيبة أن يحفظ قلبه على هذا العهد، فلا يزيغ بعد الهداية، وأن يتمسك بنظام الإمامة عقيدةً ومعرفةً وولاءً وسلوكاً؛ فإن هذا هو الذي يحفظ الهوية الحقيقية للتشيع، لا مجرد الانتساب الوراثي أو الجغرافي.
ومن هنا نفهم أيضاً عظمة الثواب الوارد للثابتين؛ لأن الثبات في زمن الغيبة، حيث تكثر الشبهات وتتعدد الدعوات وتطول المدة، ليس أمراً يسيراً، ولذلك كانت البشارة:
«طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبنا في غيبة قائمنا... هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة».
فالوفاء بالعهد، في أظهر معانيه، هو أن نبقى لهم كما عاهدنا الله ورسوله أن نكون: عارفين بحقهم، متمسكين بولايتهم، مسلّمين لهم، ثابتين على أمرهم، لا تزيغ قلوبنا عنهم مهما كثرت الفتن والدعوات والشبهات.
والله العالم.
