من أغرب ما تُواجَه به الآراء المخالفة للسائد حجةٌ يلتقي على استعمالها ضدك من يخالفك ومن يوافقك في آن واحد:

«قد يكون كلامك صحيحًا، ولكن الوقت غير مناسب».

يقولها لك خصمك الذي لا يريد لك أن تتكلم، ويقولها لك صديقك الذي يوافقك على أصل ما تقول، ولكنه يخشى من أثر قولك في هذا الظرف أو ذاك.

وهنا تحصل مفارقة تستحق التأمل: يختلف الفريقان في تقييم الكلام، ولكنهما يتفقان في النتيجة العملية:

أن عليك أن تصمت.

ولست أقول إنه ليس للتوقيت أي قيمة، أو إن الحكمة لا تقتضي أحيانًا اختيار الظرف الأنسب للكلام؛ فقد يكون الكلام حقًّا في نفسه، مع اختلاف أثره نفعًا وضررًا باختلاف زمان طرحه. وهذه قضية عقلائية لا ينبغي إنكارها.

ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول عبارة «الوقت غير مناسب» من ملاحظة عقلائية تُقدَّر بقدرها، وتحتاج في كل مورد إلى ما يبررها، إلى قاعدة جاهزة يُواجَه بها كل كلام لا ينسجم مع المزاج العام.

فالوقت قبل الأزمة غير مناسب؛ لأن الخطر محدق، ولا يجوز إشغال الناس بالخلافات.

وأثناء الأزمة غير مناسب؛ لأن الأولوية لمواجهة الأزمة.

وعقب انتهائها غير مناسب؛ لأن الجراح لم تندمل بعد، ولا ينبغي فتح الملفات في أجواء الحزن والانفعال.

فإذا مضت السنوات وقيل الكلام نفسه، صار الجواب: ولماذا تنبش الماضي؟ وهل بقيت أسير تلك الوقائع إلى اليوم؟

وهكذا تستوعب دائرة المنع جميع الأزمنة، فلا يبقى للكلام وقت يصلح لأن يكون «الوقت المناسب».

وهنا ينبغي أن نسأل من يقول لنا: «ليس الآن»:

متى إذن؟

وما هو الظرف الذي إذا جاء أصبحت الحقيقة قابلة لأن تقال؟

وما العلامة الموضوعية التي نعرف بها أن الوقت غير المناسب قد انتهى؟

فإن لم يكن هناك جواب عن ذلك، لم نعد أمام اعتراض على التوقيت، بل أمام اعتراض على الكلام نفسه، غُلِّف بلغة التوقيت.

وثمة مشكلة أعمق من ذلك: أن معيار «التوقيت المناسب» لا يُطبَّق عادةً على الجميع بالتساوي.

فالرأي السائد يستطيع أن يتحدث ليلًا ونهارًا، وأن يعبئ الناس، ويقدّم لهم تفسيره للأحداث بوصفه التفسير المقبول، ويوزع أحكام الصواب والخطأ، في أحلك الظروف وأشدها حساسية؛ أما الرأي المخالف فمطلوب منه دائمًا أن ينتظر «الوقت المناسب».

وبذلك لا يعود النقاش حول حسن التوقيت، بل يصبح امتيازًا غير معلن للفكر السائد، حيث إن له حق الكلام وصناعة الوعي ساعة الحدث، وللرأي المخالف حق الكلام بعد أن تنتهي فاعلية الكلام!

وهذا في الحقيقة لون من ألوان التحكم بالعقل الجمعي؛ لأن الرأي الذي يُمنع من الحضور في اللحظة التي تتشكل فيها القناعات، ثم يؤذن له بالكلام بعد أن تستقر الصورة في الأذهان، ويتحول الموقف إلى جزء من الهوية والانتماء، لم تُتح له فرصة متكافئة في النقاش أصلًا.

ولذلك لا يكفي أن يقال: «الوقت غير مناسب»؛ فهذه دعوى تحتاج هي نفسها إلى برهان.

فمن يدّعي أن الكلام في ظرف معين مضر، فعليه أن يبين:

ما هو الضرر الخاص المترتب على هذا الكلام الآن؟

ولماذا يغلب هذا الضرر مصلحة بيان الحقيقة؟

وإلى متى يستمر هذا المانع؟

ثم، وهذا هو الأهم: لماذا لا يمنع هذا الضرر نفسه أصحاب الرأي السائد من الكلام في الموضوع ذاته وفي الوقت ذاته؟

أما أن يصلح «الوقت غير مناسب» جوابًا قبل الواقعة، وأثناءها، وعقبها، وحتى بعد أن تصبح تاريخًا، فهذه ليست مراعاة للتوقيت.

إنها، في نهاية المطاف، طريقة مؤدبة للقول:

المطلوب منك، في جميع الأحوال، أن تصمت.

وهنا لا يسعني إلا أن أستشهد ببعض أبيات معروف الرصافي:

يا قومُ لا تتكلموا إن الكلامَ محرَّمُ

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النُوَّمُ

ودَعوا التفهُّم جانبًا فالخيرُ ألَّا تفهموا

وتثبَّتوا في جهلكم فالشرُّ أن تتعلموا

من شاء منكم أن يعيش اليومَ وهو مكرَّم فليمسِ لا سمعٌ ولا بصرٌ لديه ولا فم.