ليس الكلام في فلسطين كلاماً سهلاً، ولا سيما لمن ينتمي إلى بيئة دفعت في سبيل هذه القضية من الدم والمال والأمن والاستقرار ما لم تدفعه أكثر الشعوب التي كانت فلسطين، بحسب الأصل، قضيتها قبل أن تكون قضية مخصوصة بنا.

وليس مرادي أن أعيد النظر في مظلومية الشعب الفلسطيني، ولا في بشاعة المشروع الصهيوني وما ترتب عليه من تهجير شعب والاستيلاء على أرضه، ولا في حرمة المقدسات الإسلامية في فلسطين، ولا في حق الفلسطيني في أرضه ووطنه.

إنما السؤال الذي أريد أن أطرحه يقع في مكان آخر تماماً:

هل يلزم من عدالة القضية الفلسطينية وكونها قضية إسلامية أن تكون كل صورة من صور نصرتها العسكرية واجبة؟ وهل يلزم، بعد أن خرج خيار الحرب لتحرير فلسطين من سياسات الغالبية الساحقة من الدول العربية والإسلامية، أن يتحول هذا العبء إلى تكليف يكاد يختص بالشيعة، يدفعون هم أثمانه جيلاً بعد جيل؟

مناخ مختلف تماماً

حين نرجع إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين نجد أن موقف علماء الشيعة من فلسطين كان واضحاً ومفهوماً في سياقه التاريخي.

وقد وثقت الدراسات التاريخية صدور فتاوى جهادية من عدد من مراجع النجف ضد المشروع الصهيوني في فلسطين في تموز وآب سنة 1937، ثم أصدر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رضوان الله عليه فتوى بالجهاد سنة 1938، وجدّد موقفه سنة 1947. وبعد ذلك، في حزيران 1967، أصدر السيد محسن الحكيم رضوان الله عليه فتوى تدعو إلى الجهاد ضد إسرائيل.

وكان الشيخ كاشف الغطاء رضوان الله عليه يقول:

«أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجباً على كل إنسان، لا على العرب والمسلمين فقط».

ثم يبين أن من استطاع الالتحاق بالمقاتلين بنفسه فليفعل، ومن لم يستطع فليمدهم بماله، ومن عجز فبلسانه وقلمه ومساعيه.

ولا أرى أن أهمية هذا الموقف التاريخي تكمن في مجرد أنه فتوى بالجهاد، حتى نستخرج منه قاعدة تقول إن وظيفة الشيعة، في كل زمان ومهما تغيرت الظروف، أن يحملوا السلاح لتحرير فلسطين.

قيمة ذلك الموقف ينبغي أن تفهم في سياقه.

فالعالم العربي والإسلامي آنذاك كان يواجه مشروعاً صهيونياً آخذاً في التحقق على. أرض فلسطين، وكانت الهجرة والاستيطان والتقسيم ثم قيام إسرائيل أحداثاً تقع أمام أعين الناس، وكان الموقف العربي والإسلامي الرسمي المعلن ـ مهما كان مقدار الصدق الكامن وراءه ـ هو رفض هذا المشروع ومقاومته.

ولما اندلعت حرب سنة 1948 دخلت جيوش عربية المعركة. وبعد هزيمة 1967 لم يخرج مؤتمر الخرطوم ليعلن إغلاق باب المواجهة، بل خرج باللاءات الثلاث المشهورة: لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل، مع التأكيد على استعادة الأراضي المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني. ثم جاءت حرب تشرين سنة 1973 نفسها لتؤكد أن الخيار العسكري لم يكن قد أُخرج بعد من الحساب العربي.

إذن كان عالم الشيعة الذي يفتي بالدفاع عن فلسطين يومئذ يرى نفسه جزءاً من أمة كبيرة تتحرك ـ في الظاهر على الأقل ـ في اتجاه واحد: شعب اغتصبت أرضه، ودول تعلن رفض الاحتلال، وجيوش تدخل الحرب، وشعوب ترى فلسطين قضية لها.

كان الشيعي يومئذ جزءاً من جبهة، لا بديلاً عن الجبهة كلها.

وهذا فارق جوهري.

ثم تغير العالم من حولنا

لكن هذه الصورة لم تبق كما كانت.

تعاقبت الهزائم والانقسامات، وتكشفت مع الزمن حسابات الأنظمة ومصالحها، وتداخلت القضية الفلسطينية بالصراعات الإقليمية والدولية وبحسابات بقاء الحكام والأنظمة.

وليس بناء هذا الكلام متوقفاً على إثبات أن كل حاكم عربي كان عميلاً، أو أن كل هزيمة كانت خيانة مدبرة من الداخل، أو أن ثمة مؤامرة واحدة جلس أصحابها حول طاولة ورسموا فصولها؛ فتلك دعاوى أكبر من أن تلقى جزافاً.

يكفينا ما هو أوضح وأثبت تاريخياً:

أن الخيار الاستراتيجي العربي الرسمي تغير بالتدريج.

كانت كامب ديفيد سنة 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سنة 1979 منعطفاً كبيراً، وإن كان العالم العربي قد رفضهما في ذلك الوقت إلى حد تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية ونقل مقر الجامعة من القاهرة.

ثم جاء مؤتمر فاس سنة 1982 ليقر مشروعاً يقوم على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة سنة 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وضمان مجلس الأمن السلام بين جميع دول المنطقة.

ثم أعلنت قيادة منظمة التحرير في أواخر الثمانينيات قبولها بالقرارين 242 و338، وجاء مؤتمر مدريد، ثم أوسلو سنة 1993، ثم معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية سنة 1994.

حتى بلغ التحول ذروته عربياً في المبادرة العربية للسلام سنة 2002، التي انطلقت صراحة من أن الحل العسكري للصراع لن يحقق السلام ولا الأمن، وعرضت إنهاء الصراع وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة عاصمتها القدس الشرقية، مع حل قضية اللاجئين.

ليس معنى ذلك أن الشعوب العربية تخلت عن فلسطين، ولا أن الحكومات كلها تساوت في موقفها.

ولكن معناه أن المشروع العربي الرسمي قد تبدل.

لم يعد السؤال:

كيف نعبئ الجيوش العربية لتحرير فلسطين كلها؟

بل أصبح:

ما شروط التسوية؟ وما حدود الدولة الفلسطينية؟ وما مصير القدس واللاجئين؟ وما الذي يعطى لإسرائيل في مقابل انسحابها من أراضي سنة 1967؟

وهذا تحول تاريخي لا يجوز للفقيه أو السياسي أن يتعامل معه كأنه لم يقع.

ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران

حين انتصرت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 اختار السيد الخميني رضوان الله عليه أن يجعل فلسطين والقدس من القضايا المركزية في خطاب الثورة الجديدة.

وفي 7 آب من السنة نفسها أعلن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً للقدس، ودعا المسلمين والحكومات الإسلامية إلى الاتحاد في مواجهة إسرائيل ونصرة الفلسطينيين.

ومنذ ذلك الحين لم تبق فلسطين في خطاب الجمهورية الإسلامية قضية تضامن سياسي أو إنساني فحسب، بل تحولت إلى جزء مركزي من رؤيتها الإقليمية.

وحتى أثناء الحرب العراقية الإيرانية شاع، في سنة 1982، الشعار المعروف:

«طريق القدس يمر بكربلاء».

ولا حاجة إلى أن ننسب هنا العبارة إلى شخص بعينه؛ فالذي يعنينا أنها دخلت فعلاً في الخطاب التعبوي الإيراني في تلك المرحلة، وصار الصراع الدائر مع العراق يوضع، في بعض ذلك الخطاب، ضمن أفق أبعد ينتهي إلى فلسطين والقدس.

وفي السنة نفسها، وبعد استعادة إيران خرمشهر في أيار 1982، أعلن العراق في حزيران سحب قواته من الأراضي الإيرانية واستعداده للتفاوض على هدنة. ولم تقبل إيران إنهاء الحرب بمجرد ذلك، بل طرحت شروطاً أخرى تضمنت إدانة العراق بوصفه المعتدي والتعويضات، وبرز إسقاط صدام والنظام البعثي ضمن مطالب تلك المرحلة، ثم قررت القيادة الإيرانية في تموز نقل العمليات إلى داخل الأراضي العراقية.

ولا أريد هنا أن أحاكم ذلك القرار أو أن أختزل أسبابه في فلسطين؛ فله ظروفه وحساباته المعقدة.

إنما الذي يعنينا أن القدس لم تكن شعاراً هامشياً في المشروع السياسي الجديد، بل أفقاً استراتيجياً حاضراً باستمرار.

ومع مرور السنوات تشكل حول إيران ما عُرف لاحقاً بـ«محور المقاومة»، وكان حزب الله في لبنان أبرز مكوناته المسلحة وأقواها في مواجهة إسرائيل، بعد عقود من الدعم الإيراني في التدريب والتسليح والتمويل.

ومن الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني سنة 2000، الذي ارتبط في الوعي السياسي اللبناني والعربي بمقاومة الحزب، إلى حرب تموز سنة 2006، إلى بناء ترسانة الصواريخ وتطويرها، إلى الخطاب المتكرر عن زوال إسرائيل والوصول إلى القدس، بل والحديث عن الصلاة في المسجد الأقصى، تربت أجيال كاملة في بيئتنا على أن هذه القوة لا تُبنى لمواجهة حدودية عابرة، وإنما للمعركة الكبرى التي ستأتي يوماً.

ولم يكن الشعار هامشياً.

القدس كانت البوصلة.

ولكن السؤال الذي تأخرنا كثيراً في طرحه

هنا ينبغي أن نعود إلى أصل المسألة.

فلسطين قضية من؟

هي، من حيث المباشرة، قضية شعب فلسطين، ثم هي قضية عربية وإسلامية عامة. ونحن أمام عشرات الدول ومئات الملايين من العرب ونحو ملياري مسلم، والشيعة ليسوا إلا جزءاً من هذا العالم الكبير.

فبأي منطق تتحول القضية التي تخص هذه الأمة الواسعة إلى عبء عسكري يكاد يتركز في جزء محدود منها؟

وقد يقال هنا: إن نصرة فلسطين واجب كفائي، فإذا ترك الآخرون واجبهم لم يسقط عن القادرين عليه.

وهذا، لو سلمنا بكبراه، لا يحل المشكلة.

لأن الكلام ليس في أصل النصرة، وإنما في صورتها وحدودها ووسائلها.

فحتى لو كان أصل نصرة المظلوم واجباً، لا ينتج من تقاعس أكثر المسلمين أن تصبح صورة بعينها من النصرة ـ أعني الحرب المفتوحة ـ واجبة على الأقلية الباقية، من غير نظر إلى القدرة، واحتمال التأثير، وموازين القوى، وما يترتب على الحرب من مصالح ومفاسد، وما تزاحمه من واجبات في حفظ البلاد والأنفس والمجتمعات.

تخلي الآخرين عن مسؤوليتهم لا يحول كل ما عجزوا أو امتنعوا عنه إلى تكليف مطلق علينا نحن.

وهذه هي النقطة التي لم نقف عندها بما يكفي.

كان من الممكن أن نقول:

لن نتخلى أخلاقياً عن الفلسطيني.

ولن نسمي الاحتلال حقاً.

ولن نجعل الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً.

وسندعم حق الفلسطيني سياسياً وإنسانياً وإعلامياً وحقوقياً، وبكل وسيلة مشروعة تدخل في قدرتنا وتحقق غرضها.

لكن هل يلزم من ذلك أن نتعهد نحن، بوصفنا شيعة، بحمل مشروع حرب مفتوحة لتحرير فلسطين، بعدما أخرجته الدول التي تمثل الأكثرية الساحقة من العرب والمسلمين من سياساتها العملية؟

هذا هو موضع السؤال.

ليست المشكلة في عدالة فلسطين، بل في توزيع أثمانها

قد تكون القضية في غاية العدالة، ويكون توزيع تكاليف الدفاع عنها في غاية الاختلال.

وقد يكون الهدف شريفاً، ولا تكون كل وسيلة اختيرت لتحقيقه حكيمة.

وقد يكون من الواجب أن تنصر مظلوماً، ولا يكون من الواجب أن تختار كل صورة ممكنة لنصرته، فضلاً عن أن تدخل شعباً بأسره في حرب مفتوحة تتجاوز قدرته وتعرّض وجوده وبلده ومستقبله للخطر.

ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس:

مع فلسطين أم ضد فلسطين؟

فهذه ثنائية ساذجة تخنق البحث قبل أن يبدأ.

السؤال هو:

ما الوظيفة الشرعية والعقلائية الواقعية للشيعة تجاه فلسطين، بعد أن تغيرت موازين المنطقة وتبدلت استراتيجيات غالبية الدول العربية والإسلامية، وصار العبء العسكري لقضية أمة كاملة يقع بدرجة غير متناسبة على مجتمعات شيعية محدودة العدد والإمكانات؟

تجربة لبنان تفرض السؤال بقوة أكبر

بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول 2023، بدأ حزب الله في اليوم التالي قصف مواقع إسرائيلية معلناً التضامن مع الفلسطينيين، وبدأت بذلك جبهة الجنوب.

واستمرت المواجهة أشهراً دون أن تبلغ مستوى الحرب الشاملة، حتى تصاعدت بصورة حادة في أيلول 2024، واستهدفت إسرائيل قيادة الحزب وبنيته العسكرية ومناطق حضوره، وقُتل السيد حسن نصر الله وعدد كبير من قياداته ومقاتليه، واتسعت الحرب والدمار والنزوح في لبنان على نحو غير مسبوق منذ سنوات طويلة.

وقد قدّر البنك الدولي لاحقاً الكلفة الاقتصادية لصراع 2023-2024 على لبنان بنحو 14 مليار دولار، واحتياجات التعافي والإعمار بنحو 11 مليار دولار، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون إنسان عن مساكنهم في مراحل الحرب.

ولا يصح، إنصافاً، أن يقال إن إيران لم تفعل شيئاً طوال هذه المواجهة.

ففي نيسان 2024 شنت إيران أول هجوم مباشر واسع لها على إسرائيل، رداً على الضربة التي استهدفت مبنى قنصلياً إيرانياً في دمشق وقتلت عدداً من كبار قادة الحرس الثوري. وفي الأول من تشرين الأول شنت هجوماً صاروخياً مباشراً آخر، أعلنت أن من دوافعه اغتيال إسماعيل هنية في طهران، والسيد حسن نصر الله، والقيادي في الحرس الثوري عباس نيلفروشان، وتصاعد الهجمات على لبنان وغزة.

لكن هذا كله لا يلغي السؤال الذي نتحدث عنه، بل يجعله أدق.

فالمسألة ليست:

هل أطلقت إيران صواريخ أم لم تطلق؟

المسألة أعمق من ذلك.

فعندما تسهم دولة طوال عقود في بناء قوة عسكرية وتسليحها وتدريبها، وتتشكل بينهما عقيدة سياسية واستراتيجية مشتركة، ويُقال لأبناء هذه البيئة جيلاً بعد جيل إن السلاح الذي بين أيديهم جزء من مشروع كبير عنوانه فلسطين والقدس ومواجهة إسرائيل؛ ثم تأتي اللحظة التي يبدو فيها أن المعركة التي جرى الاستعداد لها طوال تلك السنين قد بدأت فعلاً، فمن المشروع تماماً أن يسأل من تحمل العبء المباشر للحرب في لبنان:

لماذا لم يتحول ذلك التحالف، عند اشتداد المواجهة وبلوغها مرحلة تهدد وجود القوة التي بُنيت طوال عقود، إلى مستوى من الإسناد يتناسب مع حجم الخطاب والإعداد السابقين؟

فالثابت أن إيران لم تدخل في أيلول وتشرين الأول 2024 حرباً شاملة إلى جانب حزب الله، مع أن الحرب على الحزب بلغت آنذاك أخطر مراحلها.

ومن حق من تربى طوال عقود على أن هذه القوى تنتمي إلى معركة واحدة أن يسأل:

ما الذي تغير؟

وهل كانت «وحدة الساحات» تعني التنسيق في ممارسة الضغط على الخصم فقط، أم كان ينبغي أن تعني أيضاً قدراً من وحدة المصير عندما تتعرض إحدى الساحات لمحاولة سحق؟

وإذا لم تكن حرب 2024 هي تلك المواجهة الكبرى التي كان الاستعداد لها طوال السنين، فأي مواجهة كانت؟

وإذا كانت هي، فلماذا كان مستوى المشاركة فيها أدنى مما كان يوحي به خطاب عقود من الإعداد والتعبئة؟

وليس في هذه الأسئلة تخوين لإيران، ولا اتهام لها بأنها تخلت عن حزب الله، ولا إنكار لما قدمته له على مدى عقود.

إنها أسئلة سياسية واستراتيجية تفرضها الفجوة بين حجم الوعد وحجم الاستعداد من جهة، وحجم المشاركة عند ساعة المواجهة من جهة أخرى.

ولا ينبغي أن يكون الولاء لأي محور سبباً في تحريم السؤال.

السؤال هنا لا يحتاج إلى تخوين أحد.

إنه يحتاج إلى جواب.

ألسنا أمام مفارقة تحتاج إلى مراجعة؟

من المفارقات التي تستحق التأمل أن يصبح الشيعة في مقدمة من يتحمل العبء العسكري لقضية إسلامية عامة، بينما تبنت غالبية الدول العربية منذ عقود طريق التسوية السياسية، وذهب بعضها أبعد من ذلك إلى العلاقات الدبلوماسية والتطبيع.

فإذا اندفع جزء محدود من العالم الإسلامي إلى تحمل العبء الأكبر من حرب لا يريد معظم بقية العالم الإسلامي خوضها، وجب عليه أن يسأل عن موقعه في المعادلة، لا أن يكتفي بعدالة القضية التي يقاتل من أجلها.

وهنا ينشأ سؤال آخر، أكثر مرارة:

ماذا لو كان استنزاف القوة الشيعية في صراع طويل مع إسرائيل يحقق ـ موضوعياً ـ مصالح أطراف متعددة في وقت واحد، وإن اختلفت دوافعها؟

إسرائيل تريد إضعاف خصومها.

وقوى دولية تريد الحد من نفوذ إيران وحلفائها.

وقوى إقليمية تنظر إلى إيران وشبكتها المسلحة بوصفها منافساً أو تهديداً.

ولا يحتاج تلاقي هذه المصالح إلى مؤامرة سرية، ولا إلى اجتماع أصحابها حول طاولة واحدة.

فقد تختلف الأطراف في كل شيء، ثم تتلاقى مصالحها في نتيجة واحدة.

وعندئذ يصبح من المشروع أن نسأل:

هل نحن نحسن نصرة فلسطين، أم قد ننتهي ـ من حيث لا نريد ـ إلى وضع أنفسنا في الموقع الذي يسمح لأعداء متعددين بأن يحقق كل منهم بعض أغراضه باستنزافنا؟

إنصاف علمائنا السابقين يقتضي ألا نحول فتاواهم إلى قوالب جامدة

حين أفتى الشيخ كاشف الغطاء رضوان الله عليه وغيره بالجهاد في فلسطين، كانوا يجيبون عن موضوع خارجي قائم في زمانهم.

والفتوى لا تنفصل عن موضوعها.

فلا يصح أن نستخرج من تلك الفتاوى، من غير دليل آخر، حكماً تاريخياً مؤبداً مفاده أنه مهما تغير موقف العرب والمسلمين، ومهما تبدلت موازين القوى، ومهما اختلفت احتمالات النتيجة، ومهما بلغت الخسائر، يبقى على الشيعة أن يحملوا وحدهم تقريباً مشروع الحرب حتى تحرير فلسطين.

إن علماء ذلك العصر كانوا أمام احتلال ناشئ، وفي عالم عربي وإسلامي يعلن المقاومة، وفي ظرف كانت فيه الموازين والاحتمالات والوقائع مختلفة.

ومن الوفاء لمنهج الفقه نفسه أن نفحص موضوعنا نحن، لا أن نستعير موضوعهم ونضعه على واقع تغيرت عناصره بعد نحو تسعين سنة.

المطلوب إعادة تعريف النصرة

ليس ما أدعو إليه أن ننتقل من شعار:

«فلسطين قضيتنا»

إلى شعار:

«فلسطين لا تعنينا».

فهذا انتقال من إفراط إلى تفريط.

بل المطلوب أن نقول:

فلسطين قضية حق، ولكنها ليست تكليفاً عسكرياً حصرياً للشيعة.

ونصرة الفلسطيني لا تختزل في فتح الجبهات.

وعدم فتح الحرب لا يساوي موالاة إسرائيل.

والتعاطف مع المظلوم لا يعني تعطيل الحسابات الشرعية والعقلائية المتعلقة بالقدرة والنتيجة وحفظ البلدان والأنفس.

ومن يريد أن يحمل الشيعة العبء العسكري الأكبر في مشروع تحرير فلسطين فعليه أن يبين، قبل كل شيء، لماذا أصبحت هذه الصورة الخاصة من النصرة وظيفة لهذه الأقلية بعد أن تخلت عنها أكثرية الأمة، ثم يثبت أن الوسيلة المختارة قادرة فعلاً على تحقيق الغرض، وأن ثمنها لا ينتهي إلى تدمير الناصر من دون إنقاذ المنصور.

لقد دفع الشيعة أثماناً هائلة تحت راية فلسطين.

والوفاء لهذه الدماء لا يكون بتحويل الطريق الذي سلكوه إلى مقدس لا يجوز السؤال عنه.

بل لعل أصدق الوفاء لهم أن نملك، بعد كل ما وقع، شجاعة السؤال:

هل كان المطلوب أن نحمل فلسطين كلها على ظهورنا، أم أن نحمل من واجب نصرتها بقدر ما نستطيع؟

وهل كان ينبغي أن نبقى جزءاً من أمة تنصر قضية عادلة، أم أن نتحول شيئاً فشيئاً إلى طائفة تحمل قضية أمة، ثم تتحمل قسطاً غير متناسب من أثمانها؟

هنا، في تقديري، ينبغي أن يبدأ البحث.