كتب أحد الإخوة منشوراً يتهمني فيه بتحريف كلام السيد أحمد علم الهدى، إمام جمعة مشهد، لأنني نشرت مقطعاً قصيراً من حديثه، ونسبت إليه أنه يقول بعصمة الولي الفقيه، وأن إنكار هذه العصمة ينتهي إلى مواجهة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وطالبني الرجل بالرجوع إلى الكلام كاملاً، وعدم الاكتفاء بالمقطع المتداول.

وقد فعلت.

ورجعت إلى السياق الأوسع للمحاضرة، ثم إلى ما هو أهم منه: التوضيح الذي أصدره السيد علم الهدى نفسه بعد اعتراض علي مطهري عليه، لبيان مراده والدفاع عن كلامه.

وأبدأ من الاعتراف بما وقع مني:

نعم، أخطأت خطأً منهجياً.

اعتمدت على المقطع القصير المتداول، ولم أرجع ـ كما كان ينبغي لي ـ إلى تمام السياق الذي وردت فيه العبارة، ولا إلى المحاضرة بتمامها، وهذا خلاف ديدني وعادتي في أمثال هذه الموارد.

ومن راجع السياق الكامل وجد أن السيد علم الهدى يقول صراحة:

«نحن لا نقول إن الولي الفقيه معصوم».

ويقول أيضاً:

«الجميع يقولون إن القيادة ليست معصومة، ولا أحد يقول إنها معصومة». [1]

وعليه، فإن مقطع الفيديو الذي استندت إليه فيما نسبته إليه من أنه يقول بعصمة الولي الفقيه وأن مجرد الاعتقاد بعدم عصمته مواجهة لرسول الله لم يكن من الصحيح الاستناد إليه.

وقد قيل: غلطة الشاطر بعشرة.

وأسأل الله أن يقيني الزلل في القول والعمل.

ولكن هنا ينبغي التفريق بين أمرين لا يصح الخلط بينهما:

خطأ الطريق الذي سلكته للوصول إلى النتيجة، وخطأ النتيجة نفسها.

فأنا أخطأت منهجياً حين بنيت على مقطع مبتور من سياقه قبل أن أراجع الكلام كاملاً.

لكن هذا الخطأ ـ ولحكمة لا يعلمها إلا الله ـ لم يؤدِّ إلى خطأ في أصل النسبة التي نسبتها إلى السيد علم الهدى.

بل إن صاحب المنشور، حين طالبني بالتحقيق، دفعني إلى مراجعة كلام السيد علم الهدى بتمامه؛ وحين فعلت ذلك وجدت أن أصل ما نسبته إليه من إثبات واقع العصمة للولي الفقيه في المجال الذي كنت أتحدث عنه لم يكن خطأ.

كيف؟

لأن السيد علم الهدى ينفي عن الولي الفقيه لفظ العصمة وعنوانها الاصطلاحي، ولكنه يثبت له ـ في دائرة القرارات المصيرية للأمة ـ حقيقة الحفظ من الخطأ التي كنت أعبر عنها بواقع العصمة.

وهنا ينبغي تحرير محل النزاع حتى لا نبقى أسرى الكلمات.

أنا لم أزعم أن السيد علم الهدى فتح سجل المعصومين بعد أربعة عشر قرناً، فجعل السيد الخميني ـ لأنه سبق السيد الخامنئي في الولاية ـ المعصوم الخامس عشر، ثم جاء السيد الخامنئي فأصبح المعصوم السادس عشر!

ولا قلت إنه ألحقهما بأصحاب الكساء، أو أن آية التطهير كان لها ملحق خاص تأخر وصوله إلينا!

ولا أظن أن السيد علم الهدى نفسه يمكن أن يقول بشيء من هذا.

فالمعصومون الذين نعتقد أن الله عصمهم وطهرهم هم الأربعة عشر المعروفون، ولا يستطيع السيد علم الهدى ولا غيره أن يزيد فيهم واحداً أو ينقص منهم واحداً.

ولم يكن هذا محل البحث أصلاً.

كما أنني لا أنسب إليه أنه يثبت للولي الفقيه العصمة المطلقة الثابتة للمعصومين (عليهم السلام)، بحيث يكون معصوماً من الذنب والخطأ والسهو والنسيان في جميع أقواله وأفعاله.

لا أظن أن أحداً يتوهم هذا في الولي الفقيه.

الكلام أدق من ذلك.

السؤال هو:

هل يثبت السيد علم الهدى للولي الفقيه حفظاً من الخطأ في القرارات المصيرية التي يتعلق بها مصير الأمة؟

وهنا ينبغي أن نترك فيديو الأربعين ثانية جانباً، واستغفر الله من كوني أوردته في منشوري السابق، ونرجع إلى تفسيره هو لكلامه.

فبعد اعتراض علي مطهري عليه، سئل السيد علم الهدى صراحة عما إذا كان تأييد الإمام المهدي للقيادة يعني نوعاً من العصمة.

فأجاب أولاً:

«العصمة مختصة بأربعة عشر شخصاً، وغيرهم ليس معصوماً».

ثم شرح معنى تأييد الإمام المهدي للقيادة، فقال:

«إن الإمام المهدي إمام حي وصاحب الولاية المطلقة الإلهية؛ فهل يسلّم أمة الإسلام إلى شخص يجعل بخطأ واحد مصير الأمة تراباً ورماداً؟ أم يكون قادراً على حفظه ثم لا يحفظه؟» [2]

وهنا بالضبط تظهر المسألة.

ما معنى أن تقول:

الولي الفقيه ليس معصوماً،

ثم تقول في الوقت نفسه:

إن الإمام المعصوم لا يمكن أن يسلّم الأمة إليه ثم يتركه يخطئ الخطأ الذي يجعل مصيرها «تراباً ورماداً»، بل يحفظه من هذا الخطأ؟

هذا هو تمام ما كنت أعنيه بقولـي إنه يثبت واقع العصمة في هذه الدائرة.

فأنا لا أتنازع معه على اللفظ.

هو يقول:

ليس معصوماً.

وأنا أقول:

حسناً، لنسمِّ الأمر «حفظاً» أو «تأييداً» أو «عناية غيبية».

لكن دعونا نسأل عن الواقع:

هل يمكن للولي الفقيه، بحسب هذا المبنى، أن يخطئ في القرار المصيري الذي يورد الأمة موارد الهلاك أم لا؟

فإذا كان الجواب: نعم، يمكن أن يخطئ.

فبأي دليل نسلّمه من الصلاحيات ما يجعل مصير الأمة رهناً بقراره؟

وإذا كان الجواب: لا؛ لأن الإمام المهدي لا يتركه يقع في مثل هذا الخطأ...

فهذا هو الحفظ من الخطأ في القرار المصيري.

وهذا تحديداً هو أهم مورد تظهر فيه الحاجة إلى العصمة في باب الإمامة والقيادة.

فنحن لا نبحث عن العصمة لكي نضمن أن صاحب الولاية لا يخطئ في أمر شخصي صغير.

إنما تظهر خطورة المسألة عندما تكون بيده الحرب والسلم، والدماء والأمن، ومصير الدول والشعوب والأجيال.

فإذا كان الولي الفقيه مأموناً ـ بعناية الإمام المهدي ـ من الخطأ الذي يمكن أن يجعل مصير الأمة «تراباً ورماداً»، فقد أُثبت له في هذه الدائرة واقع ما نطلب العصمة من أجله، وإن امتنعنا عن إطلاق لفظ «العصمة» عليه.

وهذا هو الفرق الذي أغفله صاحب المنشور حين اكتفى بأن قال:

«لكن علم الهدى نفسه ينفي العصمة!»

نعم، ينفي اللفظ والمعنى الاصطلاحي المطلق.

وأنا لا أنازعه في ذلك.

لكنني أنظر إلى ما أثبته بعد هذا النفي.

ولا يقف كلام السيد علم الهدى عند هذا.

فهو يقول عن مخالفة حكم القيادة:

«هي غير مشروعة قطعاً، وفي حكم مخالفة الإمام المهدي».

ويقرر أن:

«ولاية الولي الفقيه هي ولاية رسول الله»،

ومن هنا يجعل مواجهة الولي الفقيه مواجهة لرسول الله.

كما تحدث في أصل المحاضرة عن «يد غيبية» وراء وصول راية الولاية إلى السيد الخامنئي. [2]

فأمام هذه المنظومة كلها لا يكفي أن يقال لي:

«لكنه لم يستعمل كلمة العصمة».

لم أقل إن مشكلتي في الكلمة.

مشكلتي في المضمون.

وهذا يذكرني بمسألة كلامية قديمة.

فالأشاعرة لا يقولون إن الله تعالى ظالم، بل ينزهونه عن الظلم أشد التنزيه.

لكنهم، بعد إنكار الحسن والقبح العقليين، قرروا أن ما يفعله الله لا يكون ظلماً؛ حتى لو فرض تعذيب المطيع وإثابة العاصي.

فنقد العدلية لهم ليس أنهم أثبتوا لفظ الظلم لله.

بل هم ينفونه بقوة.

وإنما النقد أنهم نفوا الاسم، ثم بنوا تصوراً لا يعود معه الاسم صادقاً على ما يراه العدلية واقع الظلم.

وأجد هنا شبهاً في طريقة التفكير:

نفي شديد للفظ العصمة، ثم إثبات للحفظ من الخطأ في أهم مورد تكون العصمة مطلوبة فيه.

ولكن ثمة سؤالاً أسبق من ذلك كله:

من قال أصلاً إن الإمام المهدي (عليه السلام) سلّم الأمة في زمن غيبته إلى الولي الفقيه؟

هذا هو أول الكلام.

فالولاية العامة للفقيه بهذه السعة ليست من بديهيات المذهب ولا من المسائل المتفق عليها بين فقهاء الإمامية، بل هي محل خلاف معروف، وقد سبق أن بحثت ذلك في منشوري عن «ولاية الفقيه بين البديهة والنظرية».

ومع ذلك، فلنسلّم جدلاً بأمرين:

الأول: أن الولاية العامة للفقيه ثابتة في زمن الغيبة.

والثاني: أن من لوازمها أن يحفظ صاحبها من الخطأ في القرارات المصيرية.

حتى بعد التسليم بهذين الأمرين، يبقى سؤال ثالث:

كيف ثبت هذا الحفظ لشخص الولي الفقيه بعينه؟

لا يخلو الأمر من طريقين:

إما أن يقال إن الإمام المهدي عيّن شخص الولي الفقيه باسمه نائباً عنه.

وهذه نيابة خاصة، ولا يقول بها القائلون بولاية الفقيه، ولا نعرف أحداً يدعي أن الإمام المهدي عيّن السيد الخميني أو السيد الخامنئي بشخصه نائباً خاصاً عنه.

وإما أن يقال إن الولاية مجعولة للعنوان الكلي: الفقيه الجامع للشرائط.

وحينئذ، حتى لو سلمنا جدلاً أن ثبوت هذه الولاية للعنوان يستلزم الحفظ من الخطأ المصيري، فإن ثبوت هذا الحفظ لشخص بعينه يتوقف أولاً على إحراز أنه هو المصداق الواقعي لذلك العنوان.

أما أن تختاره مؤسسة بشرية، ثم يتحول اختيارها بنفسه إلى كشف عن اختيار غيبي وحفظ من الإمام المعصوم، فهذا يحتاج إلى دليل مستقل.

وهنا تصبح جلسة مجلس خبراء القيادة التي اختير فيها السيد علي الخامنئي سنة 1989 ذات دلالة واضحة.

ففي التسجيل المنشور لجلسة 14 خرداد 1368هـ.ش / 4 حزيران 1989، عندما طُرح اسمه للقيادة، اعترض السيد الخامنئي نفسه على طرح اسمه وقال:

«حقاً ينبغي أن يُبكى دماً على المجتمع الإسلامي الذي يُطرح فيه حتى احتمال قيادة شخص مثلي».

وتحدث عن وجود «إشكال فني وأساسي»، وعن مشكلة في الحجية الشرعية والدستورية لقيادته عند عدد من أعضاء المجلس. [3]

ولا أستشهد بهذا لأقول إن هذا كان حكماً أبدياً من السيد الخامنئي على أهليته.

الشاهد أبسط:

تعيين المصداق كان عملية بشرية اجتهادية، وقع فيها البحث والخلاف، وكان الشخص الذي انتهى إليه الاختيار نفسه يناقش أهليته في تلك الجلسة.

فمن أين انتقلنا بعد ذلك من اختيار مجلس الخبراء إلى القطع بأن الإمام المهدي هو الذي «سلّم الأمة» إليه، وأنه لذلك سيتولى حفظه من الخطأ المصيري؟

وهنا تظهر المفارقة أكثر إذا قارنا هذا الاستدلال بمسلك سلكه بعض أعاظم فقهائنا في الاتجاه المعاكس.

فالسيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه)، مثلاً، استدل على عدم ثبوت الولاية العامة بهذه السعة لغير المعصوم بأن هذا «الأمر الخطير» لا يناسب غير المعصوم، إذ لا يؤمن الخطأ في حقه، فيكون تسليطه معرضاً لضياع النفوس والأعراض والأموال، وقرر أن أدلة اعتبار العصمة في الإمامة تكفي لاعتبارها في مثل هذه الولاية. [4]

تأملوا الفرق بين الاستدلالين.

هناك يقال:

لأن المتصدي غير معصوم، فلا نسلّمه من الصلاحيات ما يجعل مصير الأمة رهناً بخطئه.

وهنا يقال:

نعطيه أولاً صلاحية تقرير مصير الأمة، ثم إذا سألنا: ماذا لو أخطأ؟

قيل:

لا يمكن أن يتركه الإمام المهدي يخطئ، وإلا صار مصير الأمة «تراباً ورماداً»!

فتصبح عدم العصمة، التي كانت عند أولئك الفقهاء سبباً لتحديد سلطة غير المعصوم، سبباً هنا لافتراض حفظ غيبي يعوض عن العصمة في موضع الحاجة إليها.

وهذا هو جوهر البحث.

وأعود أخيراً إلى قول صاحب المنشور:

«هذا ليس رداً على الرجل، هذا تحريف!»

فأقول:

أما من جهة المنهج، فقد أخطأت حين اعتمدت على المقطع القصير قبل أن أراجع السياق الكامل، وأصحح هذا الخطأ بلا مواربة.

وأما من جهة النتيجة التي قصدتها، وهي أن السيد علم الهدى يثبت للولي الفقيه واقع الحفظ من الخطأ في دائرة القرار المصيري، فقد أثبت التحقيق أن هذه النتيجة لم تكن خطأ.

بل إنني لم أكن قبل اعتراضه قد وقفت على النص الأوضح الذي قال فيه السيد علم الهدى نفسه إن الإمام المهدي لا يسلّم الأمة لمن يمكن بخطئه أن يجعل مصيرها «تراباً ورماداً».

فكان الخطأ في طريق الاستدلال، لا في أصل النتيجة.

والتحقيق لم يدفعني إلى التراجع عنها، بل دفعني إلى صياغتها بصورة أدق:

السيد علم الهدى لا يثبت للولي الفقيه العصمة المطلقة الاصطلاحية، ولكنه يثبت له واقع الحفظ من الخطأ في القرارات المصيرية التي يتعلق بها مصير الأمة.

وهذا هو الذي كنت أناقشه.

ويبقى السؤال:

إذا كان الولي الفقيه غير معصوم ويمكن أن يخطئ في القرار الذي يقرر مصير أمة بأسرها، فبأي دليل نسلّمه هذه الصلاحية؟

وإذا كان الجواب:

إنه لا يُترك ليخطئ في هذا المورد لأن الإمام المعصوم يحفظه،

فأين الدليل على أن الإمام المهدي جعل هذه الولاية بهذه السعة، وأين الدليل على أن هذا الشخص بعينه هو المصداق الواقعي لها، وأين الدليل على أن الإمام تكفل بحفظه من الخطأ المصيري؟

هذه هي الأسئلة.

أما المعصوم الخامس عشر والسادس عشر، وملحق آية التطهير...

فاطمئنوا، لم يكن البحث في شيء من ذلك!

-------------------

الهوامش والتوثيق

[1] أصل كلام السيد أحمد علم الهدى في جلسة تفسير القرآن الأسبوعية في مهدية مشهد، مساء 5 آذر 1393هـ.ش / 26 تشرين الثاني 2014. ونقلت التقارير المنشورة عن الجلسة تصريحه بأنه لا يقول بعصمة الولي الفقيه، وسياق اعتراضه على اتخاذ عدم العصمة وحده دليلاً على تخطئة القيادة.

[2] التوضيح اللاحق للسيد أحمد علم الهدى بعد اعتراض علي مطهري، نشره موقعه الرسمي ونقلته وكالة رسا بتاريخ 10 آذر 1393هـ.ش / 1 كانون الأول 2014، ثم أعادت صحيفة شرق نشره في 11 آذر / 2 كانون الأول 2014 بطلب من مكتبه. وفيه اختصاص العصمة بالأربعة عشر، وكون الإمام المهدي إماماً حياً صاحب الولاية المطلقة، وسؤاله عن إمكان أن يسلّم الأمة لمن قد يجعلها بخطأ «تراباً ورماداً» مع قدرته على حفظه؛ وكذلك قوله إن مخالفة حكم القيادة في حكم مخالفة الإمام المهدي، وربطه ولاية الولي الفقيه بولاية رسول الله.

[3] جلسة مجلس خبراء القيادة في 14 خرداد 1368هـ.ش / 4 حزيران 1989 التي طُرح فيها اسم السيد علي الخامنئي للقيادة. ويظهر في التسجيل المنشور اعتراضه على طرح اسمه، وقوله بما معناه إن المجتمع الإسلامي ينبغي أن يبكى عليه إذا طُرح مثله للقيادة، وإشارته إلى إشكالات شرعية ودستورية وفنية في المسألة.

[4] السيد محمد سعيد الحكيم، مصباح المنهاج ـ كتاب التقليد، ط1، 1415هـ/1994م، ص201، في مناقشة الولاية العامة للفقيه، حيث استدل بخطورة هذا اللون من الولاية وعدم مناسبة تسليط غير المعصوم على النفوس والأعراض والأموال، وقرر أن أدلة اعتبار العصمة في الإمامة تكفي لاعتبارها في مثل هذه الولاية.