قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.(1)
ليست كل عين مفتوحة مبصرة.
قد يكون الإنسان صحيح البصر، يرى الأشخاص والأشياء والطريق الذي يسير فيه، ولكنه مع ذلك أعمى؛ لأن العين التي يحتاج إليها للتمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، لم تعد ترى.
وفي رواية الإمام الصادق (عليه السلام):
«إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب، ألا والخلائق كلهم كذلك، إلا أن الله عز وجل فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم».(2)
فالإنسان لا يحتاج إلى بصر يرى به الأشياء فحسب، بل إلى بصيرة يرى بها الحقائق.
ولهذا قد يكون أعمى العينين أبصر من آلاف المبصرين.
وأبو بصير، وكان ضريرًا، يروي أنه كان مع الإمام الصادق (عليه السلام) بالأبطح من مكة، والناس يضجون إلى الله، فقال له الإمام:
«يا أبا محمد، ما أكثر الضجيج والعجيج وأقل الحجيج».
ثم مسح يده على وجهه وقال:
«يا أبا بصير، انظر».
قال:
«فإذا أنا بالخلق كلب وخنزير وحمار، إلا رجلًا بعد رجل».(3)
وفي الكافي أيضًا، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾:
«يعني أعمى البصر في الآخرة، أعمى القلب في الدنيا عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)».(4)
فالعين الأخطر ليست التي في الرأس.
إنها العين التي في القلب.
ومن هنا يأتي السؤال:
متى يجوز للإنسان أن يغمض عينيه ويمشي خلف أحد؟
الجواب: حين تكون عينا قلبه قد انفتحتا أولًا على حجة تبرر هذا التسليم.
وهذا هو الفارق بين اتباع المعصوم واتباع غير المعصوم.
نحن لا نتبع أمير المؤمنين والأئمة من ولده (عليهم السلام) لأننا عطلنا عقولنا، بل لأن العقل والدليل أوصلانا إلى إمامتهم وعصمتهم، وأنهم حجج الله على خلقه، وأنهم لا يخرجوننا من هدى ولا يدخلوننا في ردى.
فتحت عينا القلب أولًا، فجاء التسليم بعد ذلك.
ولهذا روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعمار:
«يا عمار، إن رأيت عليًا قد سلك واديًا وسلك الناس واديًا غيره، فاسلك مع علي؛ فإنه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى».(5)
فهنا يمكنني أن أسير خلف علي ولو سار الناس جميعًا في طريق آخر؛ لأن الحجة قامت عندي على أنه لا يقودني إلى ضلال.
هذا ليس اتباعًا أعمى.
إنه تسليم نشأ من بصيرة.
حين نعطي غير المعصوم مقام المعصوم
المشكلة تبدأ عندما ننقل هذا النوع من التسليم إلى غير المعصوم.
إلى عالم، أو قائد، أو شيخ، أو أستاذ، أو حزب، أو جماعة، أو شخصية نحبها ونثق بها.
فنقول:
هو يعرف.
هو يرى.
هو أدرى بالمصلحة.
لا حاجة إلى السؤال.
ولا إلى المراجعة.
ولا إلى النظر في الطريق.
وهنا نكون قد منحنا غير المعصوم شيئًا من العصمة العملية من حيث لا نشعر.
فالاحترام شيء، والحجية شيء، والعصمة شيء آخر.
وحتى حيث تثبت لغير المعصوم حجية شرعية في دائرة معينة، تبقى هذه الحجية محدودة بالدليل الذي أثبتها، ولا تتحول إلى عصمة عامة تشمل كل رأي وتشخيص وموقف وقرار.
غير المعصوم يصيب ويخطئ.
يعلم ويجهل.
وقد يسير اليوم على الجادة ثم يشتبه غدًا.
ولهذا لا يجوز أن نستعير له من مقام المعصوم ما لم يعطه الله إياه.
المِرياع
وهنا أتذكر صورة يعرفها أهل الغنم جيدًا: المِرياع، أو الكرّاز.
حين يكون عند الراعي قطيع كبير، لا يحتاج إلى أن يقود كل شاة بنفسها.
يكفي أن يصنع للقطيع قائدًا.
يختار خروفًا منذ صغره، وفي بعض طرق تربيته يفصله عن أمه ويربيه إلى جوار حمار الراعي، بل تذكر روايات ميدانية أنه قد يُرضع من لبن الأتان حتى يألفها ويحسبها أمه.
ويُخصى حتى لا تشغله إناث القطيع عن وظيفته، ويُعتنى به، وتترك له هيئة مميزة: جثة ضخمة، وصوف كثيف، وقرنان كبيران معقوفان، وجرس يتدلى من عنقه.
فيبدو أمام القطيع مهيبًا، مختلفًا، صالحًا للقيادة.
فتتبعه الأغنام.
إذا سار سارت.
وإذا توقف توقفت.
لكن ثمة تفصيلًا صغيرًا يقلب الصورة كلها:
المرياع نفسه يسير خلف الحمار.
فالقطيع خلف المرياع.
والمرياع خلف الحمار.
والحمار يقوده الراعي.
وقد تنظر الأغنام إلى المرياع فترى جثته الضخمة، وقرنيه الكبيرين، وجرسه الرنان، ومئات الرؤوس التي تسير خلفه، فتظنه سيد الطريق.
ولكن كل هذه الهيبة لا تغير حقيقة واحدة:
إذا تحرك الحمار تحرك المرياع.
ويستعمل المرياع كذلك في أسواق المواشي وسوق الأغنام إلى حيث يراد بها أن تذهب، حتى إلى المسلخ.
يمضي في المقدمة، فتسير الأغنام خلفه مطمئنة.
تدخل إلى موضع ذبحها، ثم يعود هو سالمًا ليؤدي الوظيفة مرة أخرى.
والشاة في هذا المشهد لم تكن بلا عينين.
بل كانت عيناها مفتوحتين.
لكنها لم تكن ترى الطريق.
كانت ترى المرياع فقط.
ولم تكن ترى إلى أين يقودها.
ومن يقود القائد؟
غير أن الصورة لا تكتمل هنا.
فقد نحذر من اتباع مرياع يقود القطيع إلى المسلخ، لكن السؤال الأهم هو:
هل المرياع نفسه يعرف الطريق؟
قد يكون هو أيضًا صنيعة تربية بدأت معه منذ صغره.
ألف شيئًا.
وتشكل وعيه على شيء.
واعتاد أن يسير خلف من أمامه.
ثم كبر، وكثر أتباعه، وصار منظر القطيع خلفه دليلًا عند الآخرين على أنه لا بد أن يعرف الطريق.
مع أنه ربما لم يختر الطريق أصلًا.
هو يقود، نعم.
لكنه في الوقت نفسه مَقود.
وهنا لا ينبغي أن نغتر بالمظهر.
قد يكون أمامك قائد ضخم الاسم، عظيم الهيبة، رنان الصوت، تسير خلفه آلاف الرؤوس...
لكن عليك أن تنظر أبعد منه.
من يقوده؟
ثم أبعد من ذلك:
من يمسك برسن من يقوده؟
فقد ترى القائد ولا ترى اليد التي كوّنت وعيه.
وقد تسمع القرار ولا ترى من صنع مقدماته.
وقد تعرف صاحب الصوت ولا تعرف من حدد له الاتجاه.
وقد تغتر بكثرة الأتباع، مع أن الجميع يسيرون في النهاية إلى الجهة التي يريدها من يمسك بالرسن.
ولهذا لا تسلّم عينيك لغير المعصوم.
أحبه.
احترمه.
تعلم منه.
ارجع إليه حيث قامت الحجة على الرجوع إليه.
واتبعه في الحدود التي ثبتت فيها حجية اتباعه.
لكن أبقِ عينيك مفتوحتين.
لا تجعل كثرة أتباعه دليلًا على صحة طريقه.
ولا تجعل ضخامة اسمه أو تاريخه أو منصبه بديلًا عن الدليل.
ولا تجعل الجرس الرنان الذي علق في عنقه يغنيك عن النظر إلى أين يسير.
مع المعصوم فقط، وبعد أن تفتح عينا قلبك على دليل عصمته، تستطيع أن تقول مطمئنًا:
سأسير خلفه حيث سار؛ لأنه لا يخرجني من هدى ولا يدخلني في ردى.
أما غير المعصوم، فتبقى العينان مفتوحتين.
تنظر إلى الطريق.
وتزن الكلام بالكتاب والعترة.
وتتأكد أن من تتبعه ما زال على الجادة ولم ينحرف عنها يمينًا أو شمالًا.
فالمشكلة ليست دائمًا أن تكون بلا قائد.
وقد لا تكون المشكلة حتى في أن تختار القائد الخطأ.
أحيانًا تكون المشكلة أنك: ترى القائد بوضوح شديد ... ولكنك لا ترى الطريق.
--------------- (1) سورة الحج: 46.
(2) الكليني، الكافي، ج8، ص215، ح260.
(3) الصفار، بصائر الدرجات، ص291، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام).
(4) الكليني، الكافي، ج1، ص429، في تفسير قوله تعالى: ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾.
(5) روي حديث عمار بهذا المعنى في مصادر متعددة، وفيه: «إن رأيت عليًا قد سلك واديًا وسلك الناس واديًا غيره فاسلك مع علي؛ فإنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى».
(6) في وصف المرياع وطرق تربيته وملازمته للحمار وسير القطيع خلفه: مواد التراث الشعبي المتعلقة بالمراييع وطرق استخدامها في قيادة قطعان الغنم.
(7) وفي استعمال المرياع في أسواق المواشي وسوق الأغنام إلى المسالخ: التقارير المتعلقة بوظيفة المرياع في نقل قطعان الأغنام وقيادتها.
