من حكومة لإقامة الشريعة والتمهيد للمهدي إلى حكومة تعطل الأحكام وأهم من شخص الإمام

ليست غايتي هنا أن أناقش أصل نظرية ولاية الفقيه، ولا الأدلة التي أقامها السيد الخميني عليها، فقد يكون لذلك مقام آخر. ما أريد الوقوف عنده هو مفارقة داخلية في مسار النظرية نفسها: ما الموقع الذي أُعطي للحكومة الإسلامية عند الاستدلال على ضرورة إقامتها؟ وما الموقع الذي انتهت إليه بعد قيامها؟

وأحسب أن التأمل في كلمات السيد الخميني نفسه يكشف عن انتقال يستحق أن نتوقف عنده طويلًا: من الحكومة بوصفها وسيلة لإقامة الإسلام، إلى الحكومة بوصفها مصلحة عليا يمكن أن تتقدم على أحكام الإسلام؛ ومن الثورة بوصفها مقدمة لمشروع الإمام المهدي (عليه السلام)، إلى خطاب يبلغ في تعظيم حفظ الجمهورية الإسلامية حد القول إن حفظها أهم من حفظ شخص واحد «ولو إمام العصر».

وهنا تحديدًا تقع المفارقة.

لماذا وجبت الحكومة أصلًا؟

حين نعود إلى كتاب الحكومة الإسلامية نجد أن أحد أهم الأدلة التي أقام عليها السيد الخميني ضرورة الحكومة هو أن الإسلام ليس مجرد مجموعة من الأحكام الفردية التي يستطيع كل مكلف أن يطبقها وحده، بل يشتمل على منظومة واسعة من الأحكام المالية والقضائية والجزائية والدفاعية والاجتماعية التي لا يمكن تنفيذها من دون سلطة سياسية وجهاز تنفيذي.

يقول في تقرير واضح للغاية:

«عند إمعان النظر في ماهية أحكام الشرع يثبت لدينا أن لا سبيل إلى وضعها موضع التنفيذ إلا بواسطة حكومة ذات أجهزة مقتدرة».

ويتحدث بعد ذلك عن الأموال والحدود والدفاع وحفظ الثغور والنظام، ويقرر وجوب قيام الفقهاء بالحكومة من أجل تنفيذ هذه الوظائف، حتى يبلغ التعبير في موضع آخر إلى أن «الإمامة الاعتبارية والحكومة هي لأجل هذه الأمور».

وهذا مهم جدًا في فهم البنية الأصلية للاستدلال.

فالحكومة هنا ليست هي الغاية التي نبحث بعد ذلك عن شيء يبرر المحافظة عليها، وإنما الغاية هي إقامة أحكام الله وعدم تعطيل الشريعة، والحكومة إحدى أهم الوسائل التي لا يتم ذلك من دونها.

وبعبارة أوضح:

لدينا أحكام إلهية يجب أن تبقى نافذة إلى يوم القيامة، وكثير منها لا يمكن تطبيقه بلا دولة؛ إذن لا بد من إقامة الدولة.

فالاتجاه المنطقي للحجة هو:

الشريعة أولًا، ثم الحكومة لأجل الشريعة.

والحكومة تستمد ضرورتها ـ في جانب أساسي من البرهان ـ من كونها طريقًا إلى تنفيذ الأحكام التي لا ينبغي أن تبقى معطلة.

وهذا في نفسه مفهوم تمامًا، حتى لو اختلفنا في النتيجة الفقهية أو في أن ولاية إقامة هذه الدولة تثبت للفقيه بهذا المقدار أم لا.

ثم أضيف إلى ذلك هدف آخر: التمهيد لحكومة الإمام

ولم يقف الأمر عند وظيفة تنفيذ الأحكام، بل اتخذت الثورة الإسلامية في كلمات السيد الخميني بعدًا مهدويًا واضحًا.

ففي آخر حياته، وفي رسالته المؤرخة في 22 آذار/مارس 1989، صرح بأن الثورة الإيرانية ليست محدودة بإيران، وأن:

«ثورة الشعب الإيراني هي نقطة انطلاق الثورة الكبرى للعالم الإسلامي بقيادة الإمام الحجة».

ثم ربط ذلك بالهدف الأكبر المتمثل في قيام الحكومة العالمية للإسلام. وهذه الكلمة مثبتة في صحيفة الإمام، ج21، ص325-329، والنص موضع الاستشهاد في ص327.

والنص واضح:

الثورة الإسلامية ليست غاية نهائية، وإنما هي نقطة شروع في حركة أوسع، يتوجها مشروع الإمام الحجة (عليه السلام).

إذن أصبح لدينا في مرحلة التأسيس غرضان واضحان للحكومة والثورة:

١- إقامة الأحكام الإسلامية التي يتعذر تنفيذها بلا حكومة.

٢- التحرك في مسار يتهيأ من خلاله الطريق للمشروع العالمي الذي يقوده الإمام المهدي (عليه السلام).

وبذلك تبدو العلاقة طبيعية جدًا:

الحكومة وسيلة، والشريعة غاية.

و:

الثورة مقدمة، وحكومة المهدي هي الأفق الذي تتجه إليه.

لكن المشكلة تبدأ بعد قيام الدولة.

بعد إقامة الحكومة: ماذا أصبح الأصل وماذا أصبح الفرع؟

بعد سنوات من قيام الجمهورية الإسلامية نجد عند السيد الخميني نفسه صياغة مختلفة تمامًا في ترتيب الأولويات.

ففي رسالته الشهيرة إلى السيد علي الخامنئي، المؤرخة في 6 كانون الثاني/يناير 1988، لم يعد الكلام عن أن الحكومة ضرورية لأجل تنفيذ الأحكام فحسب، وإنما أصبحت الحكومة نفسها عنده:

«أحد الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج».

ثم يشرح نتائج هذه الولاية فيقول إن الحكومة تستطيع تعطيل المسجد عند الحاجة، وإلغاء العقود الشرعية التي أبرمتها هي نفسها إذا أصبحت منافية لمصلحة البلاد والإسلام، وتستطيع منع كل أمر عبادي أو غير عبادي إذا صار جريانه مخالفًا للمصلحة، بل يستطيع الحكم الإسلامي أن يمنع الحج نفسه مؤقتًا إذا رآه مخالفًا لمصلحة البلد الإسلامي. وهذا نص موثق في صحيفة الإمام، ج20، ص451-452.

وهنا لا أريد أن أناقش الآن المبنى الفقهي في باب التزاحم، ولا أن أقول إن الأحكام الشرعية لا يمكن أن يعرض عليها عنوان ثانوي أو حكم حكومي يغيّر الوظيفة الفعلية للمكلف. هذه مسألة أخرى.

ما أريد أن أسأل عنه هو البنية المنطقية التي آل إليها الاستدلال.

لقد بدأنا من هذه المقدمة:

لا يجوز أن تبقى الأحكام معطلة؛ ولذلك يجب أن نقيم الحكومة.

ثم انتهينا إلى:

لا يجوز أن تتعرض الحكومة للخطر؛ ولذلك تستطيع الحكومة أن تعطل الأحكام.

وهذه المفارقة لا تزول بمجرد القول إن الثاني من باب التزاحم؛ لأن الكلام ليس في إمكان وقوع التزاحم في نفسه، وإنما في السؤال عن كيفية تحول الشيء الذي استمد ضرورته من كونه وسيلة لإقامة الأحكام إلى قيمة فوقية تسمح له بأن يزاحم الأحكام نفسها ويتقدم عليها.

فالذي كان في أول النظرية طريقًا إلى الغاية، بدأ يكتسب مع مرور الزمن خصائص الغاية.

الحج: من الإمكان النظري إلى الواقعة الخارجية

ولم يبق ذكر الحج مثالًا افتراضيًا مجردًا.

فقد جاءت رسالة السيد الخميني في كانون الثاني/يناير 1988 بعد مجزرة مكة التي وقعت في 31 تموز/يوليو 1987 وأودت بحياة مئات الحجاج، وكان معظم الضحايا من الإيرانيين. وتلاحظ Encyclopaedia Iranica أن ذكر الحج بالخصوص في رسالة الخميني سنة 1988 كان مرتبطًا على الأرجح مباشرة بتداعيات تلك الأحداث.

وفي موسم 1988 نشأ نزاع حاد بين إيران والسعودية حول شروط الحج وعدد الحجاج الإيرانيين والمظاهرات السياسية خلال المناسك. خفضت السعودية الحصة التي كانت تسمح بها للإيرانيين، ورفضت إيران الشروط، فلم يذهب الحجاج الإيرانيون في ذلك العام.

ثم استمر انقطاع الحجاج الإيرانيين خلال مواسم 1988 و1989 و1990، وعادوا إلى الحج سنة 1991 بعد تحسن العلاقات والاتفاق بين البلدين.

وبذلك غاب الحجاج الإيرانيون عن ثلاثة مواسم متتالية، 1988 و1989 و1990، وإن امتدت الفترة من أحداث مكة سنة 1987 إلى استئناف الحج سنة 1991 قرابة أربع سنوات.

كما ينبغي الإنصاف في توصيف الواقعة: لم يكن غياب الحجاج في تلك السنوات مجرد قرار فقهي إيراني منفصل عن الظروف الخارجية، بل دخلت فيه القيود السعودية، والنزاع على أعداد الحجاج، واشتراطات المظاهرات، وقطع العلاقات السياسية. غير أن ما يهمنا هنا أن فريضة الحج لم تُعامل بوصفها حكمًا يمتنع تعليقه مهما كانت الاعتبارات السياسية والمصلحية؛ فقد قرر السيد الخميني نظريًا سلطة الحكومة على إيقافها، ثم وقع فعلًا أن غاب الحجاج الإيرانيون ثلاثة مواسم كاملة في سياق الصراع بين الدولتين.

وهذا شاهد تطبيقي كاف في المقام.

وماذا عن الحدود؟

لا أحتاج هنا إلى المبالغة في قضية الحدود.

ولا أريد أن أبني هذه المناقشة على عبارة من قبيل أن الجمهورية الإسلامية «ألغت الحدود»، لأن هذه العبارة ليست دقيقة.

فالنظام القانوني الإيراني ما زال يتبنى أبوابًا من الحدود والعقوبات الشرعية، بل إن التقارير الحديثة توثق حالات نادرة أوقعت فيها عقوبات متصلة بالزنا أو الجرائم الدينية، إلى جانب استعمال واسع جدًا لعقوبة الإعدام في أبواب أخرى. ومن ثم فدعوى الإلغاء القانوني العام لا تصح.

نعم، من المشروع أن نسأل عند مقارنة المشروع النظري الذي عرضه الحكومة الإسلامية بالواقع الذي تشكل بعد قرابة نصف قرن: أين هو التطبيق الشامل لتلك المنظومة من الحدود التي كانت تُعرض يومًا بوصفها من الشواهد الأساسية على ضرورة إنشاء الحكومة؟

ففي دولة يناهز عدد سكانها المئة مليون، لا نرى في التطبيق الفعلي ما يشبه ذلك التصوير الذي كان حاضرًا بقوة في خطاب تأسيس الحكومة، وإنما نجد تطبيقات محدودة وانتقائية في بعض الأبواب، مع إحجام عملي واسع عن تطبيق جملة أخرى.

ثم نصل إلى الإمام المهدي نفسه

المفارقة تبلغ ذروتها في كلمة أخرى للسيد الخميني، ألقاها في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1981.

فبعد حديثه عن الأخطار التي تواجه الثورة والجمهورية الإسلامية، قال:

«حفظ الجمهورية الإسلامية من حفظ شخص واحد ـ ولو إمام العصر ـ أهم»،

ثم بيّن وجه ذلك عنده بقوله إن الإمام نفسه يضحي بنفسه من أجل الإسلام. والنص مثبت في صحيفة الإمام، ج15، ص363-373، وموضع العبارة في ص365.

وهنا من الضروري جدًا أن أكون منصفًا ودقيقًا.

أنا لا أنسب إلى السيد الخميني أنه قال:

نحن نضحي بالإمام المهدي من أجل الجمهورية الإسلامية.

هذا ليس نصه.

وتحميل كلامه هذه العبارة حرفيًا لا أراه صحيحًا.

هو يقول شيئًا آخر: إن الإسلام هو القيمة العليا، وإن الإمام نفسه يضحي في سبيل الإسلام، ومن هنا يجعل حفظ الجمهورية الإسلامية أهم من حفظ شخص الإمام.

وهذا التفريق مهم.

ولكنه ـ في نظري ـ لا يحل الإشكال، وإنما ينقلنا إلى المقدمة الأخطر في الاستدلال كله:

من الذي أثبت أن حفظ الجمهورية الإسلامية بعينها يساوي حفظ الإسلام؟

أنا لا أشك لحظة في أن الإمام المعصوم قد يضحي بنفسه في سبيل الله.

والحسين (عليه السلام) ضحى بنفسه وأهل بيته في سبيل التكليف الذي شخصه له الله سبحانه.

ولا أريد أنا ولا غيري أن نشخص للإمام المعصوم وظيفته؛ فهو أعرف بتكليفه، وهو الذي يعلم متى يجب عليه حفظ نفسه، ومتى يجب عليه تعريضها للخطر، ومتى تكون شهادته حفظًا للدين.

ولذلك ثمة فرق شاسع بين عبارتين قد تبدوان متقاربتين لأول وهلة:

أن نقول:

الإمام المعصوم قد يشخص أن تكليفه أن يضحي بنفسه في سبيل الإسلام.

وأن نقول:

إن هذه الحكومة السياسية المعينة من الأهمية بحيث يكون حفظها أهم من حفظ الإمام نفسه.

الأولى تتحدث عن تشخيص المعصوم لتكليفه في سبيل الإسلام.

أما الثانية فلا تتم إلا بعد إثبات مقدمة أخرى، وهي أن:

هذه الجمهورية الإسلامية القائمة تساوي الإسلام الذي يضحي الإمام بنفسه من أجله.

وهذا هو موضع الكلام.

فهذه دعوى أكبر بكثير من مجرد القول بضرورة الحكومة الإسلامية.

أربع دوائر لا يجوز دمجها في دائرة واحدة

وهذا هو أصل الإشكال في نظري.

هناك فرق بين الإسلام بوصفه الدين الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وبين القول بأن الإسلام يحتاج إلى نظام سياسي واجتماعي لتنفيذ جانب من أحكامه.

وبين القول إن ذلك النظام يجب أن يكون قائمًا على الولاية العامة أو المطلقة للفقيه.

وبين القول إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصيغتها الدستورية والتاريخية ومؤسساتها القائمة، هي التجسد الذي يكون حفظه مساويًا لحفظ الإسلام.

فهذه قضايا متعددة وليست قضية واحدة.

إنها سلسلة من دعاوى، وكل حلقة منها تحتاج إلى دليل مستقل.

فقد لا يسلم شخص بامتناع تعطيل بعض أحكام الإسلام في ظل تعطيل الإمام نفسه وإلجائه إلى الانقطاع عن رعيّته.

وحتى لو سلّم إنسان بعدم جواز ذلك وضرورة الحكومة الإسلامية لتنفيذ تلك الأحكام المنوطة بالإمام فإنه لا يلزم من ذلك أن يسلم بنظرية ولاية الفقيه المطلقة.

وحتى لو سلّم بولاية الفقيه المطلقة لم يلزم من ذلك أن يعتبر كل نظام تاريخي قام على أساسها مساويًا للإسلام.

وحتى لو اعتبر الحفاظ على أصل الدولة الإسلامية واجبًا، بقي عليه أن يثبت أن بقاء هذا الشكل السياسي بعينه، وبقاء هذه المؤسسات بعينها، هو من الأهمية بحيث يقدَّم على سائر القيم والأحكام عند التزاحم.

ولا يصح اختصار كل هذه المقدمات في كلمة واحدة هي:

«حفظ الإسلام».

حين تنقلب المعادلة

لهذا أرى أن القضية تستحق أن تختصر في معادلتين.

كانت معادلة تأسيس الحكومة:

الأحكام لا يجوز أن تتعطل، والحكومة لازمة لتنفيذها؛ إذن يجب إقامة الحكومة.

وأصبحت معادلة ما بعد تأسيسها:

الحكومة لا يجوز أن تتعرض للخطر، ولذلك يمكن تعطيل الأحكام حفظًا لها.

وكانت المعادلة المهدوية:

الثورة نقطة انطلاق لمشروع الإمام المهدي (عليه السلام).

ثم وصل الخطاب إلى:

حفظ الجمهورية أهم من حفظ شخص واحد ولو كان الإمام المهدي، لأن الإمام نفسه يضحي للإسلام.

ولا أقول إن ثمة تناقضًا لفظيًا بسيطًا بين هذه النصوص؛ المسألة أعمق من ذلك.

إنها عملية انتقال في ترتيب الوسائل والغايات.

فالدولة التي بررنا إنشاءها بأنها وسيلة لحفظ الشريعة أخذت شيئًا فشيئًا موقعًا يسمح بتعليق أحكام الشريعة من أجل بقائها.

والثورة التي عرّفناها بأنها مقدمة لحكومة الإمام أخذ نظامها السياسي موقعًا قيل معه إن حفظه أهم من حفظ شخص الإمام.

وهنا أخشى أن نكون قد انتقلنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، من:

حكومة من أجل الإسلام

إلى:

إسلام من أجل الحكومة.

ومن:

دولة تمهد للمهدي

إلى:

مهدي تصبح قيمة الدولة التي كان يفترض أن تمهد له مقدمة حتى على حفظ شخصه.

وإذا كان ثمة جواب علمي عن هذه المفارقة، فلا يكفي فيه أن يقال:

«لأن حفظ النظام حفظ للإسلام».

فهذه العبارة هي نفسها محل السؤال، لا جواب السؤال.

وهذا هو تحديدًا معنى أن تنقلب الوسيلة غاية.