لعل من أدق التعبيرات القرآنية في التحذير من الشيطان قوله تعالى:

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.(1)

فالشيطان لا يعرض على الإنسان دائمًا النهاية القبيحة التي يريد أن يوصله إليها؛ لأنه يعلم أن الإنسان قد يرفضها لو رآها منذ البداية.

يكفيه أحيانًا أن يقنعه بالخطوة الأولى.

خطوة صغيرة، قد تبدو بريئة، وقد يكون الدافع إليها عاطفيًا، وقد تُلبس لباسًا دينيًا، بل قد يأتي الشيطان أحيانًا من باب عبادة الله نفسها.

ثم يترك للخطوة أن تمتد، وللزمن أن يفعل فعله، وللأجيال أن تكمل الطريق.

ومن أبلغ ما يصور هذا المعنى رواية الإمام الصادق (عليه السلام) التي رواها الشيخ الصدوق في علل الشرائع، في تفسير قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾(2)، قال:

«كانوا يعبدون الله عز وجل فماتوا، فضجّ قومهم وشقّ ذلك عليهم، فجاءهم إبليس لعنه الله فقال لهم: أتخذ لكم أصنامًا على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعدّ لهم أصنامًا على مثالهم، فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام، فلمّا جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت، فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم، فقالوا: إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله عز وجل، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ الآية».(3)

وفي هذه الرواية أربع محطات تكاد تختصر وحدها قانون نشوء الانحراف.

المحطة الأولى: «وتعبدون الله».

حين دخل إبليس على أولئك القوم لم يقل لهم:

اتركوا الله.

ولا قال:

اعبدوا هذه الصور من دون الله.

لو قال ذلك لانكشفت غايته من أول الطريق.

بل جاءهم من مدخل يبدو في غاية البراءة:

«فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله».

فالغاية المعلنة عبادة الله، والدافع الأنس بذكرى رجال صالحين، والصورة في وعي أصحابها ليست معبودًا، بل وسيلة للتذكر والأنس أثناء عبادتهم لله.

ولهذا تؤكد الرواية:

«فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام».

ولو حذرهم رجل يومئذ من عاقبة هذا الطريق، فلعل بعضهم كان سيقول:

وأين الانحراف؟

هل عبدنا الصور؟

هل تركنا الله؟

إنها مجرد صور لأناس صالحين نحبهم، ونحن لا نزال نعبد الله.

وهنا تكمن الخطورة.

فالانحراف لا يأتي دائمًا مرتديًا صورته النهائية.

وقد تبدأ الخطوة تحت عنوان صحيح، وبنية حسنة، وفي سياق ديني.

لكن حسن النية لا يجعل كل طريق صحيحًا.

المحطة الثانية: «فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت».

لم يقع هنا تحول عقدي.

لم يعلن أحد دينًا جديدًا.

إنها ـ في ظاهرها ـ خطوة عملية اقتضتها ظروف الشتاء والمطر.

لكن النتيجة أن الصور انتقلت إلى البيوت، وأصبحت جزءًا من المشهد الذي يراه الأبناء وينشؤون عليه.

ومع ذلك بقي الجيل الأول على حاله:

«فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل».

المحطة الثالثة: «حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم».

وهذه في تقديري من أخطر فقرات الرواية.

مات الذين يعرفون قصة البداية.

مات الذين يعرفون لماذا صنعت الصور، وما الحدود التي وضعوها لها.

لكن الصور بقيت.

جاء جيل جديد، فرأى الممارسة ولم يعش حيثيات نشأتها.

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

ليس كل جيل يرث الفعل ومعناه معًا.

قد يرث الفعل وتضيع حيثيته.

وقد يرث الوسيلة وتسقط الغاية التي جعلت من أجلها.

وقد تنتقل ممارسة كانت عند مؤسسها محاطة بقيود واضحة، ثم يسقط قيد بعد قيد، حتى يأتي جيل يتعامل معها بوصفها جزءًا أصيلًا من الدين نفسه.

المحطة الرابعة: «فعبدوهم من دون الله».

وهنا اكتمل الانتقال:

من:

«وتعبدون الله»

إلى:

«فعبدوهم من دون الله».

هذه هي خطوات الشيطان.

إنه لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنعك بالنهاية.

قد يكفيه أن يضع قدمك على أول الطريق.

ولهذا فإن بعض الأجوبة التي تتكرر كلما نوقش انحراف في بداياته لا تكفي وحدها للحكم على سلامة المسار:

«الأمر بسيط».

«نياتهم حسنة».

«هم لا يقصدون هذا».

«لا أحد يقول بالنتيجة التي تخشونها».

وقد يكون هذا كله صحيحًا اليوم.

لكن السؤال ليس فقط:

ماذا يقصد أصحاب الفكرة اليوم؟

بل أيضًا:

ما الذي يمكن أن تصنعه هذه الفكرة غدًا إذا أصبحت سابقة، ثم عادة، ثم ثقافة، ثم موروثًا؟

فالنية الحسنة، على أهميتها في حساب الإنسان أمام الله، لا تحول الخطأ صوابًا.

وقد تكون الغاية نبيلة والطريق إليها خاطئًا.

وقد يأتي إبليس من باب المعصية، وقد يأتي ـ كما في هذه الرواية ـ وهو يقول لك:

«وتعبدون الله».

ولهذا كان التعبير القرآني بالغ الدقة:

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.

فلا تنظر إلى النهاية وحدها.

راقب الخطوة الأولى والاتجاه الذي تفتحه.

ولعل مثالًا هندسيًا بسيطًا يقرب المعنى.

لو خرج خطان من نقطة واحدة، وانحرف أحدهما عن الآخر درجة واحدة فقط، كان الفرق بينهما في أول الطريق ضئيلًا يكاد لا يلاحظ.

والزاوية لا تحتاج بعد ذلك إلى أن تكبر.

تبقى درجة واحدة.

لكن كلما امتد الخطان اتسعت المسافة بينهما.

فالذي كبر ليس مقدار الانحراف، وإنما أثر الانحراف مع الامتداد.

وكذلك بعض الانحرافات الفكرية والدينية.

قد يكون أولها صغيرًا، ولكن الخطأ الصغير إذا تحول إلى اتجاه مستمر قد ينتهي بعد مسافة طويلة إلى موضع بعيد جدًا عن نقطة البداية.

ومن هنا تكون مسؤولية العالم والمصلح ألا ينظر إلى حجم الانحراف في لحظة ظهوره فحسب، بل إلى الاتجاه الذي يفتحه وإلى قابلية امتداده.

أن يصحح الفكرة وهي لا تزال فكرة.

ويناقش الممارسة قبل أن تصبح عادة.

وينقد العادة قبل أن تتحول إلى ثقافة.

لأن الخطأ حين يصبح موروثًا ومقدسًا لا يعود تصحيحه بسهولة تصحيحه في يومه الأول.

ولعل أولئك الذين صنعوا الصور لو بعثوا بعد أجيال، ورأوا أبناءهم يسجدون لها من دون الله، لقالوا:

لم نرد هذا!

وهم فعلًا لم يريدوه.

ولكن هذه هي العبرة:

ليست جميع نتائج أفعالنا متوقفة على ما نريده نحن منها.

قد تضع أنت الخطوة الأولى وتحوطها بقيودك، ثم ترحل، وتسقط القيود، وتبقى الخطوة.

ولهذا لا يكفي أن نسأل عند ظهور فكرة منحرفة:

ما مقدار الانحراف الموجود فيها الآن؟

بل ينبغي أن نسأل أيضًا:

إلى أي اتجاه تسير؟

وإذا تحولت إلى سابقة وتوارثتها الأجيال، فأين يمكن أن تنتهي؟

فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول لك منذ البداية:

اعبد غير الله.

قد يكفيه أن يقنعك بخطوة يبدو ظاهرها حسنًا، ثم يترك للزمن أن يتكفل بالباقي.

ولهذا كانت المسافة في الرواية بين عبارتين فقط:

في البداية:

«وتعبدون الله».

وفي النهاية:

«فعبدوهم من دون الله».

فلا تحتقر الانحراف لأنه صغير.

ولا تأمنه لمجرد حسن نية أصحابه.

ولا تسكت عنه لأن النهاية التي تخشاها لم تقع بعد.

فالانحراف البعيد قد يبدأ بدرجة واحدة.

والوثنية التي انتهت بعبادة الأصنام من دون الله بدأت ـ بحسب هذه الرواية ـ بخطوة كان عنوانها:

انظروا إليهم… وتعبدون الله.

---

(1) سورة البقرة، الآية 168.

(2) سورة نوح، الآية 23.

(3) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، باب 3: «العلة التي من أجلها عبدت الأصنام»، ص3-4؛ ونقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج3، ص252.