​قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. ثم قال بعدها: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ​البلوغ وحده لا يكفي. قد يبلغ الإنسان مبلغ الرجال، ويخرج من حد الصغر، ويصبح مكلفًا شرعًا، ومع ذلك لا يُسلَّم إليه ماله؛ لأن شيئًا آخر لا بد منه، هو الرشد. وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشُدُّه، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيهًا أو ضعيفًا فليمسك عنه وليه ماله». وروي عنه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: «إيناس الرشد حفظ المال». وعنه (عليه السلام)، لما سئل عن السفيه، قال: «الذي يشتري الدرهم بأضعافه». ​فالسفيه هنا ليس مجنونًا. قد يكون بالغًا، مكلفًا، يتحدث ويفهم ويبيع ويشتري، ولكنه لا يحسن تدبير المال، ولا يعرف كيف يوازن بين ما يعطي وما يأخذ، ولذلك يمنع من الاستقلال بالتصرف فيه. والسفه الذي نتحدث عنه هنا ليس شتيمة نطلقها على من نختلف معه، ولا وصفًا اعتباطيًا يراد به الانتقاص من الأشخاص، بل هو وصف لخلل في الرشد وحسن التدبير، يظهر من نوع التصدي، وطريقة اتخاذ القرار، ومدى القدرة على تقدير العواقب ووضع الأمور في مواضعها. ​والقرآن لا ينظر إلى الحجر بوصفه انتقاصًا من كرامة السفيه، بل حمايةً له وللمال الذي وصفه بأنه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. فإذا لم يؤنس منه الرشد، لم يكن من العقل أن نسلمه مالًا نخشى أن يضيعه. ​ولكن ماذا لو كان السفه في ما هو أعظم من المال؟ ​السفه المالي هو صورة من السفه. وهناك صورة أخطر منها بكثير. فالسفيه المالي إذا أخطأ في التقدير أضاع ماله. أما من يتصدى لشؤون مجتمع، ويضع يده على قرارات الحرب والسلم، والدماء والأمن والاقتصاد ومصير البلاد، من غير أن يمتلك من العلم والحكمة والخبرة وحسن تقدير العواقب ما يناسب ما تصدى له، فإن خطأه لا يبقى محصورًا به. قد يضيّع بلدًا. وقد يدفع آلاف الناس ثمن سوء تقديره من دمائهم وبيوتهم وأموالهم ومستقبل أولادهم. ​وهنا تقع المفارقة: السفيه المالي يُحجر عليه. أما السفيه الذي يتصدى لقيادة الجماعة، فقد يبلغ من النفوذ والقوة حدًّا يحجر هو على الأمة. ولا أستعمل «الحجر» هنا بوصفه حكمًا فقهيًا أريد نقله من باب الأموال إلى باب القيادة، ولا أريد أن أقول إن من لا يحسن إدارة المال هو نفسه الذي يتصدى لقيادة المجتمع. إنما أتحدث عن مفارقة في الموقف من الرشد وحسن التدبير. ​فالمجتمع إذا رأى إنسانًا لا يحسن إدارة ماله، بادر إلى الحجر عليه، ومنعه من الاستقلال بالتصرف فيه؛ حرصًا على أن يحمي ماله من سوء تدبيره. ولكن المجتمع نفسه قد يسلّم زمام أموره، وما هو أعظم بما لا يقاس من مال فرد واحد، إلى من لا يمتلك من العلم والحكمة والخبرة وحسن تقدير العواقب ما يؤهله لهذه القيادة، أو إلى من يمتلك قدرًا من هذه المؤهلات، ولكن مع وجود من هو أعلم منه، وأفقه، وأحكم، وأوسع تجربة، وأقدر على تقدير المصالح والمفاسد. ​فهنا تقع المفارقة: نحرص على ألا نضع مال السفيه المالي تحت تدبير غير رشيد، ثم قد لا نتحرى الدرجة نفسها من الرشد حين نضع دماء الناس وأمنهم وأموالهم ومستقبلهم تحت تدبير من يتصدى لقيادتهم. ولهذا تكتسب الكلمة المروية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ دلالة بالغة: «لا يكون السفيه إمام التقي». ​إنها عبارة قصيرة، ولكنها تلفت إلى أصل واضح: ليس كل من استطاع أن يتقدم يصلح أن يكون مقدَّمًا. وليس كل من اجتمع حوله قسم كبير من الناس صار أهلًا لحمل مصير الأمة وقيادتها. وليس كل من امتلك الجرأة على اتخاذ القرار امتلك الرشد الذي يؤهله له. ​وفي الرواية عنه (عليه السلام): «من خرج يدعو الناس وفيهم من هو أفضل منه فهو ضال مبتدع». وفي الحديث المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما ولّت أمة أمرها رجلًا وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالًا حتى يرجعوا إلى ما تركوا». وفي رواية أخرى: «من أمّ قومًا وفيهم أعلم منه أو أفقه منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة». وفي نص آخر: «إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها، فمن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة». وورد التحذير أيضًا من: «إمارة السفهاء». ​هذه النصوص كلها تدور حول فكرة واحدة: التصدي ليس فضيلةً في نفسه. وقد يكون من أعظم علامات السفه أن يتقدم الإنسان إلى ما ليس له، مع وجود من هو أعلم منه أو أفقه أو أحكم أو أقدر على تقدير العواقب. ​من أخطر السفه ألا يعرف الإنسان قدر نفسه ​قد يكون الإنسان صادقًا. وقد يكون مخلصًا. وقد يكون شجاعًا. وقد يكون مستعدًا لأن يضحي بنفسه. ولكن الإخلاص لا يصنع علمًا. والحماسة لا تصنع حكمة. والشجاعة لا تصنع حسن تدبير. واستعداد الإنسان لأن يموت في سبيل قراره لا يمنحه تلقائيًا حق اتخاذ قرار قد يموت بسببه آلاف الآخرين. فالفرق كبير بين أن يضحي الإنسان بنفسه، وبين أن يتخذ لنفسه مقامًا يملك من خلاله أن يعرّض الآخرين للتضحية. ​ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل هو أهل لما تصدى له؟ هل يملك من العلم ما يناسبه؟ هل يملك من الحكمة ما يناسبه؟ هل يملك من التجربة ما يناسبه؟ هل يعرف موازين القوى؟ هل يعرف حجم الخسائر التي قد تترتب على قراره؟ هل يستطيع التراجع حين يتبين الخطأ؟ أم أن ثقته بنفسه أوسع من علمه، وحماسته أكبر من خبرته، وسلطته أوسع من رشده؟ ​«ما أريكم إلا ما أرى» ​وقد رسم القرآن صورة شديدة التعبير عن هذا النوع من القيادة. قال فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. لم يقل: هذا رأيي، ففكروا فيه. ولا قال: هذه رؤيتي، فاعرضوها على أهل العلم والحكمة والخبرة. بل حصر مجال الرؤية نفسَه في رؤيته. أنا أرى. وأنتم ترون من خلالي. أنا أحدد لكم العدو والصديق. وأحدد لكم المصلحة والمفسدة. وأحدد لكم متى نحارب ومتى نسالم. وأحدد لكم، فوق ذلك كله، كيف ينبغي أن تفهموا ما يجري. ​وهذه من أخطر صور الحجر على الإنسان: أن يحجر على قدرته على أن يرى بغير عيني قائده. ولم يكتف القرآن بنقل كلام فرعون، بل كشف الآلية التي أنتجت هذه الطاعة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾. الاستخفاف سبق الطاعة. فصناعة الطاعة لا تحتاج دائمًا إلى السوط. قد تُصنع بالشعار. وبالدعاية. وبالتعبئة المستمرة. وبصناعة الهالات. وبربط الولاء للأشخاص بالولاء للدين. وبتحويل كل اعتراض إلى خيانة. وكل سؤال إلى تشكيك. وكل نقد إلى خدمة للعدو. حتى يصل المجتمع إلى مرحلة لا يحتاج فيها قائده إلى أن يقول له في كل مرة: «ما أريكم إلا ما أرى». لأن الناس قد تعودوا بأنفسهم ألا يروا إلا ما يرى. ​فرعون يقول «سبيل الرشاد»... والله يقول: «وما أمر فرعون برشيد» ​والأعجب أن فرعون لم يقل لقومه: أنا سفيه فاتبعوني. بل قال: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. كان خطابه خطاب الرشد. ثم يأتي القرآن فيقول: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وهنا تلتقي نهاية الصورة ببدايتها. في المال يقول الله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وفي قيادة الناس قد يرفع المتصدي شعار الرشد والحكمة والبصيرة، ثم يكون واقع أمره: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. ​فالرشد ليس شعارًا. ولا لقبًا. ولا صورة يصنعها الإعلام. ولا صفة يمنحها الأتباع لقائدهم. الرشد يظهر في القدرة على وزن العواقب، ووضع الأمور في مواضعها، والتمييز بين الممكن والمتعذر، وبين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتخيلة، وبين التضحية التي يختارها الإنسان لنفسه والتضحية التي يفرضها على الآخرين. ​ثم تمر السنوات... ​وللسفه في القيادة خاصية خطيرة. قد يتصدر إنسان في مقتبل عمره لشؤون جسام، وهو يومها لم يجمع من العلم ولا من الحكمة ولا من التجربة الحياتية ولا من معرفة الناس والعالم ما يناسب حجم ما وضع يده عليه. ثم تمر السنوات. ويكبر. وتشيب لحيته. وتتراكم حوله الألقاب والصور والخطب والتجارب. ثم يولد جيل جديد لم يشهد لحظة البداية. فيفتح هذا الجيل عينيه عليه وقد صار: «القائد التاريخي». و«صاحب التجربة». و«الحكيم المطلق». ​فتقرأ الأجيال حاضره على ماضيه، وتتصور أنه كان يوم تصدى أول مرة هو الرجل نفسه الذي تراه بعد أربعين سنة. لكن السؤال الحقيقي ينبغي أن يكون: ماذا كان يملك يوم تصدى أول مرة؟ ومن الذي قدّمه؟ ومن الذي أعطاه حق تجاوز من كانوا يومها أعلم منه وأفقه وأوسع تجربة؟ وهل يصنع مرور الزمن أهليةً بأثر رجعي؟ مرور الزمن قد يمنح الإنسان خبرة. لكن الخبرة اللاحقة لا تجعل كل تصدٍّ سابق رشيدًا. واللحية البيضاء لا تعيد كتابة البدايات. ​حين يصبح السفيه هو الذي يحجر ​السفيه المالي يحجر المجتمع عليه؛ لأنه يخشى أن يضيّع المال. أما حين ينجح المتصدي غير الرشيد في إقامة منظومة قوة ودعاية وتعبئة حول نفسه، تنقلب المعادلة. يصبح هو الذي يحجر على المجتمع. يحجر على أتباعه من الداخل بواسطة تشكيل الوعي. يرسم لهم حدود ما يفكرون فيه. ويحدد لهم مصادر معلوماتهم. ويحدّد من هو العدو ومن هو الصديق. ويربط الموقف السياسي بالهوية الدينية. ويجعل الولاء للجماعة معيارًا للحقيقة. ​ثم يحجر على المخالفين من الخارج بواسطة الترهيب والتخوين والاتهام. هذا خائن. وذاك عميل. والثالث يطعن بالمقاومة. والرابع يضعف الطائفة. والخامس يخدم العدو بمجرد أن يسأل. وبهذا لا يعود صاحب القرار مطالبًا بأن يثبت للأمة رشده. بل تصبح الأمة مطالبة بأن تثبت له ولاءها. لا تحاسبه هي. بل يحاسبها هو.

لا تسأله: من خوّلك؟ بل يسألها: من سمح لكم بالاعتراض؟ وهكذا يتحول السؤال من: هل هذا القرار رشيد؟ إلى: كيف تجرؤون على الاعتراض على صاحبه؟ وهذه هي اللحظة التي يكون فيها السفيه، بدل أن يُحجر عليه، قد نجح في أن يحجر على أمة. ​«لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم» ​لكن المسؤولية هنا لا تقع على السفيه وحده. وهنا تأتي واحدة من أشد الروايات دلالة. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال للحارث بن المغيرة: «أما لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم». فلما عظم ذلك على الحارث عاد يسأل الإمام، فبين له أن على أهل العلم، إذا بلغهم عن الرجل ما يكرهونه وما يدخل به الأذى والعيب، أن يأتوه: فيؤنبوه. ويعظوه. ويقولوا له قولًا بليغًا. فإن لم يقبل منهم ولم يطعهم: «فإذا فاهجروه عند ذلك، واجتنبوا مجالسته». ​وهذه الرواية تستحق التأمل في المقابلة التي اختارها الإمام نفسه: سفهاؤكم / علماؤكم. لم يقل: السفيه مسؤول عن سفهه، والعالم لا علاقة له. بل حمّل العالم مسؤوليةً عن موقفه من السفه حين يصبح أمرًا علنيًا تترتب عليه آثار تتجاوز صاحبه، ثم يراه ويسكت عنه مع قدرته على الإنكار والنصح والتنبيه. وهذا يضع أمامنا سؤالًا آخر لا يقل خطورة عن السؤال الأول: ليس فقط: كيف تقدَّم السفيه؟ بل: أين كان العلماء حين تقدم؟ وأين كانوا حين اتسعت سلطته؟ وأين كانوا حين صارت قراراته تتعلق بأمة؟ وهل قاموا بوظيفتهم في النصح والإنكار والتنبيه، أم تحول سكوتهم إلى جزء من منظومة الشرعية التي أحاطت به؟ ​القرآن لا يعفي الأمة أيضًا ​ومع ذلك لا يعفي القرآن الأمة من المسؤولية. قال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾. هناك من استخف. وهناك من أطاع. وهناك قائد احتكر الرؤية. وهناك مجتمع سلّم له بحق احتكارها. ولهذا لم تنته القصة بضلال فرعون وحده. قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾. وقال: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. ثم قال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. ​إنها سلسلة كاملة: احتكار للرؤية. ثم استخفاف بالعقول. ثم طاعة. ثم اتباع لأمر غير رشيد. ثم ضلال جماعي. ثم هلاك. ولهذا قال موسى (عليه السلام): ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وحذّر القرآن: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. فالسفه حين يصبح شأنًا عامًا لا تبقى آثاره دائمًا داخل حدود صاحبه. وقد يدفع ثمنه من لم يتخذ القرار، ولم يُستشر فيه، بل وربما كان معترضًا عليه. ​السؤال الذي ينبغي أن تخاف منه كل أمة ​لهذا لا يكون أخطر سؤال أمام المجتمعات: من يقودنا؟ بل: هل أبقينا لأنفسنا عقلًا مستقلًا نستطيع أن نحاكم به من يقودنا؟ هل نستطيع أن نقول له: أخطأت؟ هل يمكن أن نسأله: ما دليلك؟ هل يستطيع أهل العلم والحكمة والخبرة أن يقفوا أمامه ويقولوا: هذا القرار غير رشيد؟ هل يبقى من يخالفه فردًا من الأمة له حرمة وعقل ورأي، أم يتحول بمجرد اعتراضه إلى خائن وعدو؟ ​الشريعة لا تسلم السفيه ماله حتى يؤنس منه الرشد. فكيف إذا كان ما تحت اليد ليس مال شخص واحد، بل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم وأمنهم وبيوتهم وأوطانهم ومستقبل أبنائهم؟ الكارثة ليست فقط أن يتصدى السفيه. الكارثة الأكبر أن ينجح في قلب المعادلة: فبدل أن يسأل المجتمع عن رشده، يصبح هو الذي يحدد للمجتمع كيف يفكر. وبدل أن يُحجر عليه حمايةً للناس من سوء تدبيره، يصبح هو الذي يحجر على عقولهم وإرادتهم ومصيرهم. وعندها لا يعود السؤال: لماذا لم يحجروا على السفيه؟ بل يصبح السؤال الأكثر مرارة: كيف استطاع السفيه أن يحجر على أمة بأكملها؟