يروي الكشي في رجاله قصة عجيبة جرت في مجلس الإمام الصادق (عليه السلام).
دخل عليه قوم يطلبون الحديث، وكان فيهم رجل أخذ الإمام يستدرجه إلى أن يحدّثه بما عنده. فأخذ الرجل يسرد أحاديث كثيرة، ينسب بعضها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعضها إلى الإمام الباقر (عليه السلام)، وبعضها إلى جعفر بن محمد نفسه، وهو لا يعلم أن جعفر بن محمد الذي يروي عنه جالس أمامه!
ومن جملة ما رواه:
«حدثني سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، قال: النبيذ كله حلال إلا الخمر».
وظل الإمام (عليه السلام) يسمع منه ويقول:
«زدنا».
وكان في المجلس ميمون بن عبد الله، فاشتد عليه ما يسمعه من الأكاذيب المنسوبة إلى الأئمة (عليهم السلام)، حتى قال:
«فأردت أن أقوم إليه فأتوطأه، ثم ذكرت غمز أبي عبد الله (عليه السلام) فكففت».
وبعد أن فرغ الرجل مما عنده، بدأ الإمام يسأله:
هذا جعفر بن محمد الذي تروي عنه، هل تعرفه؟
قال: لا.
هل سمعت منه شيئًا قط؟
قال: لا.
ثم سأله عن هذه الأحاديث التي يرويها عنه، فأكد أنها أحاديث معروفة عند أهل بلده، وأنه لا يشك فيها.
وهنا جاء السؤال الذي تختصر فيه القصة كلها.
سأله الإمام، بما حاصله:
لو رأيت جعفر بن محمد نفسه، فقال لك إن هذه الأحاديث التي ترويها عنه كذب، وإنه لم يقلها ولم يحدث بها، أكنت تصدقه؟
فقال الرجل:
لا.
فسأله الإمام: ولم؟
فأجاب بأن الذين رووا له هذه الأحاديث رجال موثوقون عنده، حتى إن شهادة أحدهم لو كانت في عتق رجل لقُبلت.
أي إن الرجل بلغ من ثقته بالناقلين عن جعفر بن محمد حدًا جعله مستعدًا، لو وقف جعفر بن محمد نفسه أمامه وقال له: لم أقل هذا، أن يجيب:
لا أصدقك؛ فالذين حدثوني عنك ثقات!
ثم خرج القوم، فقال الإمام الصادق (عليه السلام) متعجبًا:
«عجب حديثهم، كان عندي الكذب عليّ، والحكاية عني ما لم أقل ولم يسمعه عني أحد، وقولهم: لو أنكر الأحاديث ما صدقناه. ما لهؤلاء؟ لا أمهل الله لهم ولا أملى لهم».
أي: عجبًا لهؤلاء! كانوا جالسين عندي وفي مجلسي، يكذبون عليّ، ويحكون عني ما لم أقل ولم يسمعوه مني، ثم يبلغ بهم الأمر أن يقولوا: لو أنكر جعفر بن محمد نفسه هذه الأحاديث التي ننسبها إليه ما صدقناه!
وقد جمع الإمام (عليه السلام) في تعقيبه بين آفتين ظهرتا في مجلس واحد.
الأولى: الكذب على صاحب القول، ونسبة ما لم يقله إليه.
والثانية: أن يبلغ الوثوق بالطريق والواسطة حدًا يصبح معه الطريق إلى الواقع أوثق من الواقع نفسه.
وهذه الثانية أعمق وأخطر.
فالكاذب قد يكذب لمصلحة، أو هوى، أو عصبية، أو جاه، أو مال، ولكنه ـ ما دام يعلم أنه يكذب ـ لا يزال يعترف في أعماقه بوجود واقع مستقل عن كلامه، ويعلم أن كلامه مخالف لذلك الواقع.
أما هذا الرجل فالمشكلة عنده أعمق.
فالطريق الذي كان الغرض منه أن يوصله إلى قول جعفر بن محمد، تحوّل عنده إلى شيء أوثق من جعفر بن محمد نفسه!
والواسطة التي كان يفترض أن تكشف له الواقع تحولت إلى مرجع يحاكم به الواقع؛ فإذا خالفها الواقع كذّب الواقع وأبقى ثقته بالواسطة.
ويمكن أن نستخلص من هذه الرواية درسًا بالغ الأهمية:
إن الكذب انحراف عن الحقيقة مع بقاء الحقيقة مرجعًا، أما أن يبلغ الإنسان حدًا تصبح فيه الوسائل التي يستدل بها على الحقيقة أصدق عنده من الحقيقة نفسها، فهذا اختلال في ميزان المعرفة ذاته.
وقد يكون ضرر الكاذب - على عظم جرمه - أهون من ضرر هذه العقلية؛ لأن الكاذب يعرف في مكان ما أن هناك حقيقة يخالفها، ويمكن للواقع أن يفضحه.
أما من فقد قدرة الواقع نفسه على تصحيح أفكاره، فبأي شيء تصححه؟
إذا قلت له: الواقع خلاف ما تقول، قال: التحليل يقول غير ذلك.
وإذا أريته النتيجة بعينه، أعاد تفسير النتيجة.
وإذا فشل التوقع، اخترع تفسيرًا يحفظ صحة التوقع.
وإذا نطق الواقع نفسه، فكأنه يقول له ما قاله ذلك الرجل لجعفر بن محمد عليه السلام:
لا أصدقك؛ فقد حدثني عنك الثقات!
وإذا بقي هذا الاختلال حالة فردية كان بلاء صاحبه محدودًا.
أما إذا تحول إلى ثقافة جماعية، وصار منهجًا في التفكير داخل مجتمع أو تيار أو جماعة، فإنه يصبح آفة اجتماعية شديدة الخطورة؛ لأن المجتمع يفقد عندئذ أهم وسيلة لتصحيح نفسه: أن تسمح الوقائع له بأن يكتشف خطأ تصوراته عنها.
فالخبير طريق إلى معرفة الواقع.
والمحلل طريق إلى فهمه.
والسياسي يخبرنا عنه.
والإعلامي ينقل لنا صورته.
وأهل الاختصاص نستعين بهم في الجوانب التي لا نستطيع الإحاطة بها بأنفسنا.
ولكنهم جميعًا طرق إلى الواقع، وليسوا بديلًا عنه.
فإذا تحولت الثقة بهم إلى درجة أننا إذا رأينا الواقع بأعيننا مخالفًا لما أخبرونا به كذّبنا أعيننا وصدّقناهم، فقد انقلبت وظيفة الخبرة رأسًا على عقب.
يقال: هذا المشروع سيؤدي إلى هذه النتيجة.
ثم تأتي النتيجة على خلاف ما قيل.
فيقال: لا بد أن هناك تفسيرًا يجعل التحليل الأول صحيحًا.
ويقال: هذه الخطوة ستمنع الأمر الفلاني.
ثم يقع الأمر الفلاني.
فيعاد تفسير الوقائع لكي تبقى الرواية الأولى صحيحة.
ويقال: هذا هو الواقع الذي انتهينا إليه.
فيصبح المطلوب تعديل فهمنا للواقع حتى ينسجم مع ما قاله الخبير، بدل أن نعيد النظر في رأي الخبير حتى ينسجم مع الواقع.
وهنا يتحول الخطأ من خطأ في تشخيص واقعة إلى مرض في طريقة التفكير نفسها.
وليست المشكلة في الثقة بالثقات، ولا في الرجوع إلى أهل الخبرة؛ فذلك من ضرورات الحياة العقلائية.
إنما المشكلة حين تتحول الثقة بالطريق إلى حجاب عن الغاية التي كان الطريق من أجلها، وحين تصبح الرواية عن الواقع أصدق عندنا من الواقع نفسه.
فحينئذ لا نعود نخطئ في تشخيص واقعة فحسب، بل نفقد شيئًا أخطر:
قدرتنا على أن نصحح أنفسنا عندما يكشف لنا الواقع أننا أخطأنا.
