كان لي صديق قديم جمعتني وإياه بضع سنوات من الدراسة في حوزة واحدة، وعند أستاذ واحد، سنتين أو ثلاثًا فيما أذكر.

وكان الرجل صاحب صوت حسن في تلاوة القرآن، وله قدرة لافتة على إطالة النَّفَس؛ حتى كان يستطيع ـ يومذاك ـ أن يقرأ بنفس واحد ما يقارب الدقيقة والعشرين ثانية.

أما الباع في العلم فكان ـ فيما خبرته منه عن قرب ـ أقصر بكثير من ذلك النَّفَس!

وقد قلت له مرة، أو كتبت له، ما معناه:

طول النَّفَس في تلاوة القرآن شيء، وطول الباع في العلم شيء آخر.

لكن يبدو أن العبارة لم تبلغ من نفسه الموضع الذي بلغته أنفاس التلاوة؛ فقد مضت السنوات، وإذا بالخصومة تزداد، والاعتداء في الكلام يشتد، والثقة بالرأي تكبر، من غير أن أرى أن نصيبه من العلم قد نما بنسبة مقاربة لذلك.

والمشكلة هنا ليست شخصية، ولا هي مشكلة هذا الصديق وحده.

إنها مشكلة قديمة جدًا: أن يشتبه على الإنسان حمل ألفاظ القرآن بحمل القرآن، وأن يظن أن إجادة الترتيل، وحسن الصوت، وضبط المقامات، وطول النَّفَس، تمنحه بالضرورة نصيبًا من فقه الكتاب ومعرفة الدين.

والقرآن نفسه ينفي ذلك.

فالقرآن ليس دواءً يعمل آليًا بمجرد أن تمر حروفه على اللسان والحنجرة. يقول تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.

فالشيء نفسه الذي يكون شفاءً لقلب، قد لا يزيد قلبًا آخر إلا خسارًا.

ويقول سبحانه:

﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾.

بل إن نزول السورة نفسها قد يحدث أثرين متعاكسين:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾.

إذن ليست القضية: كم قرأت؟ ولا: كم حفظت؟ ولا: كم طال نَفَسك؟

القضية: ماذا صنع القرآن فيك؟

هل فتح قلبك أم مرّ على حنجرتك؟

هل جعلك أعدل أم أشد تعصبًا؟ أكثر إنصافًا أم أكثر خصومة؟ أشد ورعًا عن أعراض الناس أم أجرأ عليها؟

ومن هنا كان التعبير القرآني بالغ الدقة:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

فالمشكلة قد لا تكون في غياب القرآن عن اللسان، وإنما في وجود قفل على القلب يمنع معانيه من العبور إليه.

وهذا المعنى عبّر عنه الإمام الباقر (عليه السلام) في تقسيم عجيب لقراء القرآن، فقال:

«قراء القرآن ثلاثة»،

ثم ذكر منهم رجلًا:

«حفظ حروفه وضيّع حدوده»،

وقال فيه:

«فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن».

ثم قابل هذا بمن جعل «دواء القرآن على داء قلبه».

وهنا تمام الفرق.

قد يحفظ الإنسان الحروف، ولكنه لا يسمح للحروف أن تعالج أمراض قلبه.

يحسن مخارج الضاد والطاء والقاف، ولا يحسن إخراج الحقد والعصبية والغرور من نفسه!

يضبط المدود والغنن، ولا يضبط لسانه عند الخصومة!

يبحث عن موضع الوقف والابتداء في الآية، ولا يعرف أين يقف عندما يبدأ الظلم والاعتداء على الناس!

وليس هذا المعنى مستحدثًا.

ففي الخبر التاريخي الذي نقله ابن أبي الحديد عن أبي الحسن المدائني في كتاب الأحداث، وهو يتحدث عن مرحلة صناعة الروايات في العصر الأموي، يقول:

«وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون»،

أي أولئك الذين جمعوا بين صورة الخشوع والنسك وبين توظيف الدين في الخصومات والأهواء والمصالح.

فلم تكن كلمة «قارئ القرآن» في يوم من الأيام شهادة عصمة، ولا إجازةً في العلم، ولا ضمانةً بأن صاحبها قد فقه ما يتلو.

بل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبر عن قوم يبلغ من كثرة تلاوتهم أن غيرهم يستقل قراءته إلى قراءتهم، ثم وصفهم بأن القرآن لا يجاوز تراقيهم، وجاء في بعض ألفاظ الحديث:

«يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم».

وهذه من أبلغ العبارات.

يمكن للإنسان أن يقرأ القرآن ويحسب أن كل آية منه سلاح بيده يضرب بها غيره، بينما يكون القرآن نفسه قائمًا بالحجة عليه.

وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا ينفصل الكتاب أصلًا عن العترة؛ فقد تركهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثقلين متلازمين:

«كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

فمن أراد أن يعرف أحكام القرآن وحدوده واتجاهه، لم يكن مجرد تحسين الصوت طريقه إلى ذلك، بل العلم والتفقه والرجوع إلى بيان العترة التي جعلها النبي (صلى الله عليه وآله) مع الكتاب.

ولذلك أقول لصديقي القديم:

لا أنكر عليك حسن صوتك، ولا طول نَفَسك، فهذه موهبة رزقك الله إياها.

لكن الصوت الحسن لا يصنع عالمًا، وطول النَّفَس لا يصنع طول الباع.

ومن حقك أن تخالفني ما شئت، ولكن قبل أن تجعل القرآن خلفيةً لصوتك، حاول أن تجعله أمام قلبك.

وقبل أن تبحث في المصحف عن آية ترمي بها خصمك، ابحث عن الآية التي تمنعك من ظلمه.

فالخوف ليس من قارئ لا يحفظ القرآن؛ الخوف أحيانًا من قارئ حفظ حروفه وضيّع حدوده.

والمسافة بين الاثنين قد تكون أقصر من دقيقة وعشرين ثانية... لكنها أبعد بكثير من أن يقطعها طول النَّفَس.

-------------------- 1. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص44-46، نقلًا عن المدائني، كتاب الأحداث. 2. الكليني، الكافي، ج2، ص627، باب النوادر، ح1. 3. صحيح مسلم، ح1066؛ سنن أبي داود، ح4768. 4. الصدوق، معاني الأخبار، ص184، باب معنى الثقلين والعترة.