بدأت بالأمس سلسلة بعنوان: «كيف نتعامل مع البيانات العامة للمرجعية العليا؟»، ونشرت منها حلقتين، ولا تزال للسلسلة حلقات أخرى لم أنشرها، ولم أصل بعد إلى تمام الفكرة ولا إلى جميع النتائج التي أريد بيانها.

ومع ذلك، بدأت الردود والتفنيدات، بل والاتهامات أحيانًا، وكأن السلسلة قد انتهت، وتمّ البيان، ولم يبق إلا إصدار الأحكام!

وهذا أمر أستغربه، ولا سيما ممن له أدنى معرفة بعلم الأصول.

فمن أوليات مباحث الألفاظ أن المتكلم ما دام متشاغلًا بكلامه فله أن يلحق به ما يشاء من القرائن المتصلة التي تحدد مراده؛ فقد يطلق ثم يقيد، ويعمم ثم يخصص، ويذكر صدر كلام يوهم معنى، ثم يأتي ذيله بما يبين أن المراد شيء آخر.

ولذلك لا يستقر ظهور الكلام قبل تمامه.

وأوضح مثال:

لا إله ........

قف هنا، وابدأ بالرد والتفنيد، فستقول: هذا كفر!

ولكن دع الرجل يكمل:

........ إلا الله.

فإذا ما حسبته كفرًا صريحاً في نصف الجملة أصبح عند تمامها عين التوحيد.

والطريف أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد وضع يده على هذه المشكلة منذ قرون، فقد نقل الشهيد الأول في الدرة الباهرة عنه (عليه السلام):

«من أخلاق الجاهل: الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم».

وما أدق هذا الترتيب!

يسمع أولًا، ثم يفهم، ثم يحكم.

فإذا اختل الأول، لم يتحقق الثاني، وإذا لم يتحقق الثاني، فمن أين جاء الثالث؟!

ولست أقول هذا لأمنع أحدًا من مناقشتي، أو لأكمّ فمًا، أو لأسكت صوتًا.

بل أقول كما علمني أمير المؤمنين (عليه السلام):

«ولا تظنوا بي استثقالًا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي... فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل».

وأنا ـ غير المعصوم الذي يخطئ ويصيب ـ أولى بأن أقول ذلك عن نفسي: لا أستثقل حقًا يقال لي، ولا أطلب من أحد أن يسكت عن خطأ يراه في كلامي. ناقشوا ما أكتب، وفندوا ما ترونه باطلًا، وصححوا ما ترونه خطأ، وأقيموا الحجة على كل كلمة ترون أن الحجة قائمة على خلافها.

ولكن ثمة فرقًا بين أن تناقش ما قلتُه، وبين أن تحاكمني على ما تتوقع أنني سأقوله.

ناقش الحلقة الأولى بما فيها، والثانية بما فيها، ولكن لا تنسب إليّ نتيجة لم أصل إليها بعد، ولا تجعل ما تتوقع أن أقوله في الحلقة الثالثة أو الرابعة قولًا لي ثم تبدأ بالرد عليه.

وقد يقول بعضهم: نحن نفهم الاتجاه الذي يريد الكاتب أن يصل إليه؛ فنحن نعرف قراءة ما بين السطور.

وأقول:

قبل أن تقرأ ما بين السطور، اقرأ السطور أولًا!

دع السطور تُكتب كلها، ثم اقرأ ما بينها كما تشاء.

على أن قراءة ما بين السطور شيء، ومحاكمة النوايا شيء آخر.

قراءة ما بين السطور محاولة لاستكشاف دلالات الكلام من قرائنه وسياقه، وهي قراءة قد تصيب وقد تخطئ. أما أن تنسب إلى قلب المتكلم غرضًا لم يذكره، ثم تحاكمه على ذلك الغرض الذي أنشأته أنت، فهذه ليست قراءة ما بين السطور، وإنما قراءة في الضمائر.

والفرق بين الأمرين لا يخفى على أهله.

لكن المؤسف أن بعض ما يجري تجاوز حتى هذا المستوى، حتى ليخيّل إلى المتابع أحيانًا أن ثمة جيشًا من الذباب الإلكتروني مهمته ليست مناقشة الفكرة، وإنما التشويش عليها حتى لا تصل أصلًا إلى القارئ كما أراد صاحبها أن يبينها.

فما إن ينزل المنشور حتى تبدأ التعليقات الجانبية، والتعريضات، والاتهامات، ونقل النقاش من أصل الفكرة إلى ألف قضية أخرى؛ بحيث ينشغل القارئ بالضجيج المحيط بالكلام قبل أن تتاح له فرصة فهم الكلام نفسه.

حتى إنني أكاد أعتقد أنني لو كتبت:

«السماء فوقنا، والأرض تحتنا»

لوجدت من يسأل: لماذا قدمت السماء؟ وبمن تعرّض حين قلت «تحتنا»؟ وهل تقصد فلانًا؟ ثم يأتي آخر بنص لفلان، وثالث يستخرج من العبارة موقفًا لم يخطر أصلًا في بال كاتبها!

وهنا ننتقل من المناقشة إلى التشويش.

ولعل من اللافت في هذا السياق ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.

فقد روى بسنده عن سلمان الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال وهو جالس في أصحابه:

«إنه يدخل عليكم الساعة شبيه عيسى بن مريم».

فدخل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فثقل ذلك على بعض الحاضرين واعترضوا، وفي نص الخبر عند القمي:

«فأنزل الله في ذلك المجلس: ﴿ولما ضُرب ابن مريم مثلًا إذا قومك منه يضجون﴾».

والشاهد هنا واضح: فقد فسّرت الرواية أنّ صدّهم للنبي (صلى الله عليه وآله) عن بيان فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) كان من خلال افتعالهم الضجيج والتشويش على السامعين حين بدئه بالكلام.

فحين لا يكون الإنسان مستعدًا لسماع ما يخالف هواه، قد ينتقل من مقام الاستماع والفهم والجواب إلى مقام الضجيج والتشويش.

وما أبعد هذا عن أهل الحق وطلاب الحقيقة!

طالب الحقيقة لا يخاف من أن يسمع الحجة المخالفة له إلى آخرها. بل ينبغي أن يكون حريصًا على أن تصل إليه في أقوى صورها؛ لأنه إن كانت باطلة لم يضره سماعها، وإن كانت حقًا كان أولى الناس بالرضوخ لها.

أما من يخشى أن تصل الفكرة إلى الناس مكتملة، فيستبدل الحجة بالضجيج، والمناقشة بالتشويش، والفهم باستباق النيات، فمشكلته لم تعد مع خطأ الفكرة، وإنما مع وصول الفكرة نفسها.

لذلك أكرر لمن يناقش ما أكتب:

لا تكفوا عن مقالة بحق، ولا عن مشورة بعدل.

ناقشوني، واعترضوا عليّ، وصححوا أخطائي، ولا تجاملوني في شيء ترونه باطلًا.

ولكن طبقوا قبل ذلك وصية الإمام الصادق (عليه السلام):

اسمعوا، ثم افهموا، ثم احكموا.

ولا تقولوا: نحن نقرأ ما بين السطور؛ فالسطور نفسها لم تُكتب كلها بعد!

فلعلكم إلى الآن لا تزالون عند:

«لا إله ........»

بينما:

«........ إلا الله»

لم تصل بعد.