سليمان بن صرد: بين اتهام الحسن، وخذلان الحسين، والتوبة
قد يكون من أصعب ما يواجهه القائد أن يرى الناس في حرصه على دمائهم ضعفاً، وفي كفّه إياهم عن معركة لا يرى لها ثمرة ذلاً، بينما يرى هو ما لا يرونه: النتيجة التي ستبقى بعد أن تهدأ الحماسة، وتنتهي الخطب، وتتحول الشعارات إلى نتائج على ارض الواقع.
ومن الوقائع التي تستحق أن تقرأ من هذه الزاوية قصة سليمان بن صرد الخزاعي في ثلاث محطات متعاقبة: موقفه من صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، ثم تخلّفه عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، ثم تصدّره حركة التوابين بعد ذلك.
ولست هنا بصدد محاكمة سليمان بن صرد في دينه وإخلاصه وشجاعته؛ فالرجل ذو سابقة ومكانة، وانتهت حياته مقاتلاً في سن متقدمة. وإنما الكلام في شيء آخر: كيف نشخّص موضع الدم؟ ومتى يكون بذله بطولةً وطاعة، ومتى يكون حفظه هو الموقف الشرعي والعقلائي؟
«يا مذل المؤمنين!»
يروي ابن قتيبة، في كتاب الإمامة والسياسة أن سليمان بن صرد دخل على الإمام الحسن (عليه السلام) بعد استقرار الأمر لمعاوية، فقال له:
«يا مذل المؤمنين!»
ثم احتج عليه بما بقي من الرجال والقوة، وبأن معاوية قد نكث ما كان التزم به، واقترح عليه أن يأذن له بالذهاب إلى الكوفة وإخراج عامل معاوية منها وإظهار خلعه، لتعود الحرب من جديد.(1)
لكن الإمام الحسن (عليه السلام) كان يحسب المسألة بميزان آخر.
لم يكن بحاجة إلى من يخبره بأن معاوية خصمه، ولا إلى من يعلمه أن الموت في سبيل الحق قد يكون شرفاً. وإنما السؤال: ما الذي ستنتهي إليه هذه الحرب الآن؟ وهل ستعيد الحق إلى أهله، أم ستستهلك من بقي من أهله؟
فصرح لهم بأنه لم يرد بما صنع إلا حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم، ثم أمرهم أن يلزموا بيوتهم ويكفوا أيديهم.
ولم يقف عند هذا الحد، بل عاد إلى نفس الاتهام الذي وجهه إليه سليمان، فقال:
«فَوَاللهِ لَأَنْ تَذِلُّوا وَتُعافَوْا أحبُّ إليَّ من أن تَعِزُّوا وتُقْتَلوا».(2)
ثم شدّد في الأمر بلزوم البيوت وعدم استئناف حركة جديدة ما دام معاوية حياً، فقال:
«فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام معاوية حياً».(3)
والحِلْس هو الشيء الملازم لموضعه؛ أي: الزموا بيوتكم، ولا تفتحوا معركة جديدة.
وهنا تتحدد المفارقة الأولى بوضوح:
سليمان يرى أن ترك القتال ذل.
والإمام الحسن (عليه السلام) يرى أن ما يسميه سليمان ذلاً، إذا حفظ حياة الشيعة، خير من «عزة» لا تنتهي إلا بقتلهم.
ليس الخلاف في الحق والباطل، بل في تشخيص الوظيفة والمآل.
«لا تَغُرُّوا الحسين من نفسه»
ثم دارت الأيام، ومات معاوية، ورفض الإمام الحسين (عليه السلام) بيعة يزيد، وبلغ ذلك أهل الكوفة.
فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد نفسه.
وهنا كان سليمان شديد الوضوح في تحذيرهم من أن يدعوا الحسين (عليه السلام) ثم يتراجعوا ساعة الجد. فقال لهم: إن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل:
«فلا تَغُرُّوا الرجل من نفسه».
فقالوا: بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، فكتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام).(4)
وهذه العبارة بالذات تجعل ما جرى بعد ذلك أشد إيلاماً.
فقد أدرك سليمان مسبقاً أن أخطر شيء هو أن تكون الحماسة في الدعوة إلى الثورة أكبر من القدرة على الثبات عندما تصل الثورة فعلاً.
وكان هو نفسه من أبرز المحذّرين من ذلك.
ثم جاء الحسين (عليه السلام).
ولم يكن سليمان معه في كربلاء.
تخلّف سليمان عن الالتحاق بالحسين في كربلاء
تصفه المصادر التاريخية بأنه كان ممن كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يدعونه إلى الكوفة، ثم ترك القتال معه، وأنه ندم بعد مقتله هو وجماعة ممن خذلوه ولم يقاتلوا معه.(5)
وقد حاول بعض المتأخرين تفسير غيابه عن كربلاء بوجوه أخرى، كدعوى أنه كان مسجوناً عند ابن زياد أو محجوزاً عن الحركة، إلا أن هذه الوجوه لا نجد في المصادر التاريخية المتقدمة ما ينهض بإثباتها.(6)
والأهم من توصيف المؤرخين ما روي عن سليمان نفسه حين شرع بعد كربلاء في تأسيس حركة التوابين.
فقد استعاد حالهم فقال:
«ونينا وعجزنا وأدهنّا وتربصنا».(7)
أي: فترنا وضعفنا، وداهنّا وسايرنا، وانتظرنا ما ستؤول إليه الأمور، حتى قتل الحسين (عليه السلام) بينهم.
وهنا تظهر مفارقة بشرية تتجاوز شخص سليمان نفسه.
قد يبدو الإنسان في غاية الحماسة حين يكون المطلوب منه أن يعترض على كف اليد، وحين تكون الحرب فكرةً وخطاباً وشعاراً.
لكن ساعة تصبح الحرب واقعة، والسيف سيفاً حقيقياً، والموت موتاً حقيقياً، قد يظهر أن الشجاعة التي كانت في المخيلة شيء، والثبات عندما يُكتب القتال فعلاً شيء آخر.
ومن هنا نفهم شدة الندم الذي ظهر بعد كربلاء.
فحين وصل التوابون إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام) كان من اعترافهم:
«يا رب! إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا»،
ثم طلبوا من الله أن يغفر لهم ويتوب عليهم.(8)
من الخذلان إلى التوبة بالدم
كان ندم سليمان شديداً، ولا موجب للتشكيك في صدقه.
لكن صدق الندم لا يكفي لإثبات صحة الطريقة التي يختارها الإنسان للتوبة.
فقد أخذ خطاب التوابين يتجه إلى أن الجريمة التي وقعت منهم لا يغسلها إلا قتال قتلة الحسين (عليه السلام)، ولو انتهى ذلك بهلاكهم.
واستشهد سليمان بقصة بني إسرائيل وقوله تعالى:
﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾،
ثم دعا أصحابه إلى مناجزة قتلة الحسين (عليه السلام)، وربط رضا الله عنهم ـ بحسب تقديره ـ بالقتال أو الهلاك في هذا الطريق.(9)
بل تنقل المصادر عنهم تعبيراً أكثر مباشرة في تفسير ما يريدونه من التوبة: أنه لا توبة لهم مما صنعوا إلا أن يبذلوا أنفسهم في الطلب بدم الحسين (عليه السلام).(10)
وهنا ينبغي أن يتوقف الفقيه قبل أن يتحرك المقاتل.
من أين ثبت أن من قصّر في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) تكون توبته بأن يلقي نفسه بعد ذلك في معركة يختارها هو؟
فالآية تتحدث عن تكليف خاص في بني إسرائيل، ولا تتحول لمجرد التشابه النفسي إلى قاعدة شرعية عامة.
والشعور بالذنب لا ينشئ تكليفاً.
والندم لا يجعل الموت كفارةً لمجرد أنه موت شجاع.
وقد يخطئ الإنسان مرتين: مرة حين لا يقاتل في الموضع الذي كان ينبغي فيه القتال، ومرة حين يتصور أن علاج خطئه الأول أن يقاتل في كل موضع بعد ذلك حتى يموت.
من ستة عشر ألفاً إلى أربعة آلاف
وكان في الواقع الخارجي نفسه ما يدعو إلى إعادة النظر في قرار الخروج.
فقد كان في ديوان سليمان ستة عشر ألفاً ممن بايعوه، فلما جاء موعد الحركة لم يحضر منهم إلا نحو أربعة آلاف، ثم لحق بهم نحو ألف آخرين.(11)
أي إن أكثر من ثلثي القوة التي بُني عليها المشروع لم تحضر.
ومع ذلك مضى سليمان.
بل عرض عليه والي الكوفة أن ينتظر حتى تعبأ معه قوة أكبر لمواجهة ابن زياد، فلم يقبل التأخر.(12)
ولما وصل إلى قرقيسيا، حذره زفر بن الحارث من كثرة جيش الشام، وعرض عليه أن يدخلوا مدينته فتكون قوتهم واحدة، فلم يقبل سليمان ذلك أيضاً، وإن أخذ ببعض نصائحه العسكرية.(13)
ولا أريد أن أقول إن حركة التوابين كانت بلا غرض عسكري، أو إنهم خرجوا لمجرد الانتحار.
كان لهم هدف: الوصول إلى عبيد الله بن زياد ثم الاقتصاص ممن شارك في قتل الحسين (عليه السلام).
لكن نزعة التكفير بالموت كانت واضحة في خطاب الحركة، إلى حد أن الموت نفسه صار أحد المخرجين المقبولين: إما أن ندرك الثأر، وإما أن نهلك فتكون تلك توبتنا.
وانتهت عين الوردة بمقتل سليمان وكبار أصحابه وكثير ممن معه، وانسحاب من بقي منهم.
ولم يقتلوا عبيد الله بن زياد.
وبقي ابن زياد حتى قتل بعد ذلك على يد إبراهيم بن مالك الأشتر، في قوة عسكرية أخرى، والمشهور أن ذلك كان سنة 67هـ.(14)
مشكلة في فقه الدم
وهنا تخرج القصة من التاريخ لتدخل مباشرة في بعض مشكلات عصرنا.
فنحن نعيش في ثقافة تمتلئ بصور للبطولة صنعتها الأساطير والروايات والسينما.
هناك الصورة الشائعة عن محارب الساموراي الذي يرى أن فشله لا يمحوه إلا أن ينهي حياته بيده.
وهناك الصورة السينمائية لقصة الثلاثمئة من سبارطة، حيث يتحول الوقوف أمام جيش جرار والموت حتى آخر رجل إلى ذروة المشهد البطولي.
وهناك عشرات الأفلام التي لا يكون البطل فيها بطلاً حقاً إلا إذا رفض الانسحاب بعد أن تصبح المواجهة مستحيلة، ثم مات في لقطة أخيرة يصفق لها الجمهور.
هذه الصور شديدة التأثير.
تستثير العاطفة، وتناسب الحماس الشبابي، وتصلح للسينما والملاحم.
لكنها تنتمي، في نهاية الأمر، إلى عالم افتراضي أو أسطوري.
وفي العالم الافتراضي لا يموت أحد حقاً.
وفي الأسطورة لا تترك الجثة وراءها أماً فقدت ولدها، ولا طفلاً أصبح يتيماً، ولا أسرةً تبدلت حياتها إلى الأبد.
وفي الفيلم ينتهي المشهد، وينطفئ التصوير، فينهض الممثل الذي قتل قبل قليل ويعود إلى منزله.
أما نحن فلا نعيش في عالم افتراضي.
ولا نعيش داخل أسطورة.
ولا نعيش في فيلم سينمائي.
نحن نعيش في واقع حقيقي.
والدم الذي يراق فيه دم حقيقي.
والإنسان الذي يموت لا ينهض بعد انتهاء المشهد.
والأرواح التي تزهق ليست أرقاماً في سيناريو، بل أرواح جعل الله لها حرمة، وسيكون هناك من يُسأل عنها بين يدي الله.
ومن هنا لا تعود البطولة قيمة مستقلة عن الشرع.
ولا يكفي أن يكون الموت مؤثراً.
ولا أن يكون المشهد ملهماً.
ولا أن يقال عن القتيل إنه مات واقفاً ولم يتراجع.
فالسؤال الذي سيبقى بين يدي الله ليس:
هل صنعت مشهداً بطولياً؟
بل:
هل كان هذا تكليفك؟
هل كان يجوز لك أن تبذل دمك؟
وإذا كنت قائداً: هل كان يجوز لك أن تبذل دماء غيرك؟
هل قامت الحجة على أن هذه المعركة هي الوظيفة؟
هل كانت هناك مصلحة شرعية وعقلائية توازي هذه الكلفة؟
هل استنفدت الخيارات الأخرى؟
وماذا كان متوقعاً أن يتحقق بعد كل هذه الدماء؟
هذه ليست أسئلة الجبناء.
إنها أسئلة المسؤولية عن الدم.
لأن قرار القتال لا يصنع شهداء في القصائد فحسب؛ بل يصنع موتى حقيقيين في الأرض.
ولهذا تصبح الحسابات في الدم من أدق الحسابات؛ لأننا لا نتعامل مع رموز في ملحمة، بل مع أرواح عباد الله.
وقد روي في تعظيم الدم:
«لَزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».(16)
فكيف يتحول الدم، بعد هذا كله، إلى أرخص عنصر في حساب القرار؟
وهذا بالضبط مما نعانيه في بعض خطاب عصرنا.
يضيق المجال أمام الخطاب العقلاني والواقعي والشرعي الذي يسأل عن المآلات والقدرة والكلفة، بينما يصبح الأكثر جاذبية هو خطاب البطولة المطلقة:
قاتل.
لا تتراجع.
لا تحسب.
لا تنظر إلى ميزان القوى.
فالموت نفسه نصر.
وكأن المطلوب أن نحيا داخل فيلم، بينما الناس في الخارج يموتون في واقع حقيقي.
ومن يعترض على ذلك قد يتهم بالجبن، أو الذل، أو ضعف اليقين، لأنه تجرأ وسأل الأسئلة التي لا يحبها خطاب الحماسة:
كم إنساناً سيموت؟ ولماذا؟ وماذا سنحقق بعد موتهم؟ ومن حمّلك مسؤولية دمائهم؟
وهذه هي مشكلة فقه الدم.
فالدم ليس برهاناً على صحة القضية.
وكثرة الشهداء لا تصحح القرار الذي أدى إلى استشهادهم.
والإقدام ليس فضيلة في كل موضع، كما أن الإحجام ليس رذيلة في كل موضع.
قد تكون الشجاعة أن تقاتل.
وقد تكون الشجاعة الأصعب أن تمنع القتال، وأن ترى ما وراء صيحات الحماسة من دم وموت وفقد، وأن تتحمل في سبيل ذلك أن يقال لك:
«يا مذل المؤمنين!».
بين الحسن والحسين والتوبة
وحين نضع المواقف الثلاثة إلى جانب بعضها تتضح المفارقة.
في الأولى: رأى الإمام الحسن (عليه السلام) أن استمرار الحرب يستنزف شيعته، فاختار حقن الدماء، فاعترض سليمان واتهمه بإذلال المؤمنين.
وفي الثانية: خرج الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه، وكان سليمان ممن دعوه إلى القدوم، ثم تخلف عن نصرته، وعاد بعد ذلك يتحدث عن الوَنَى والعجز والمداهنة والتربص، ويقر مع أصحابه بأنهم خذلوا ابن بنت نبيهم.
وفي الثالثة: أراد التكفير عن ذلك الخذلان، فتحولت التوبة إلى مشروع قتال انتهى بمقتله ومقتل كثير ممن معه، من غير تحقيق الهدف المباشر الذي خرجوا إليه.
وليس الدرس أن سليمان لم يكن شجاعاً.
بل لعل العبرة أدق من ذلك:
قد يكون الإنسان شجاعاً جداً، ولكنه يخطئ في تشخيص موضع الشجاعة.
قد يندفع إلى القتال حين تكون الوظيفة كف اليد.
ثم يتخلف عندما يصير القتال هو الوظيفة.
ثم يريد أن يعالج تخلفه بمعركة أخرى؛ لأن ضميره لا يحتمل أن يعيش بعد ما صنع.
ولهذا لا يكفي في أمر الدم الإخلاص، ولا الحماسة، ولا الاستعداد للموت.
إنها أرواح عباد الله.
ونحن هنا لا نكتب نهاية فيلم، ولا نصنع مشهداً أسطورياً، ولا نحرك شخصيات في عالم افتراضي.
نحن نتخذ قرارات في واقع حقيقي، تترتب عليها دماء حقيقية، وأيتام حقيقيون، وثكالى حقيقيون، ثم حساب حقيقي بين يدي الله.
ولعل كلمة الإمام الحسن (عليه السلام) التي قيلت لسليمان قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، لا تزال واحدة من الكلمات التي يحتاج خطابنا المعاصر إلى أن يسمعها:
«فَوَاللهِ لَأَنْ تَذِلُّوا وَتُعافَوْا أحبُّ إليَّ من أن تَعِزُّوا وَتُقْتَلوا».
--------------------
(1) الإمامة والسياسة، المنسوب إلى ابن قتيبة، ج1، في خبر اعتراض سليمان بن صرد على الإمام الحسن (عليه السلام)، وتختلف أرقام الصفحات باختلاف الطبعات، وفي طبعة علي شيري يقع الخبر في حدود ص185ـ186. وروى السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء قريباً من أصل الواقعة، مع تفاوت في بعض الألفاظ والتفاصيل؛ وفي روايته اعتراض سليمان، ثم تصريح الإمام الحسن (عليه السلام) بأن مراده حقن الدماء، وأمره بلزوم البيوت وكف الأيدي.
(2) الإمامة والسياسة، الموضع نفسه؛ وفيه: «فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا».
(3) المصدر نفسه؛ وفيه أمر الإمام الحسن (عليه السلام): «فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام معاوية حياً».
(4) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، حوادث سنة 60هـ، عن أبي مخنف، في اجتماع الشيعة في منزل سليمان بن صرد، وتحذيره لهم من الكتابة إلى الحسين (عليه السلام) إن كانوا يخافون الوهن والفشل.
(5) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ترجمة سليمان بن صرد؛ وفيه أنه كان ممن كتب إلى الحسين (عليه السلام)، ثم ترك القتال معه، وندم بعد مقتله هو والمسيب بن نجبة ومن خذلوه. ونقل قريباً منه ابن الأثير في أسد الغابة وغيره.
(6) ذهب المامقاني في تنقيح المقال إلى رد ما نقله ابن الأثير من تخلف سليمان عن نصرة الحسين (عليه السلام)، وذكر أن ابن زياد كان قد حبس سليمان مع جماعة كبيرة من الشيعة، بل ادعى اتفاق كتب السير والتواريخ على ذلك. غير أن هذا الخبر لا يظهر في المصادر التاريخية المتقدمة التي سردت وقائع الكوفة وكربلاء، واعتمد المامقاني في تفصيله على أخبار متأخرة من قبيل حكايات الأخذ بالثأر المنسوبة إلى أبي مخنف ونحوها، وقد نوقشت قيمتها التاريخية. ومن ثم تبقى دعوى السجن ونحوها من الوجوه التي قال بها بعض المتأخرين، من دون أن نجد في المصادر المتقدمة ما يعضدها بنحو ينهض في قبال ما نقلته كتب التراجم والتاريخ من التخلف والندم. وانظر: المامقاني، تنقيح المقال، طبعته القديمة، القسم الأول، ص63 تقريباً، في ترجمة سليمان بن صرد.
(7) رواه الطبري في أخبار نشأة حركة التوابين، ونقلته المصادر عنه، وفي خطبة سليمان: «فلما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا...».
(8) في أخبار مسير التوابين إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، أنهم أقروا بخذلانه وطلبوا المغفرة والتوبة.
(9) في خطبة سليمان لأصحابه استشهاده بقصة بني إسرائيل وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ودعوته إلى مناجزة قتلة الحسين (عليه السلام) أو الهلاك.
(10) ابن عبد البر في الاستيعاب وغيره، في أن جماعة التوابين رأوا أن توبتهم تكون ببذل أنفسهم في الطلب بدم الحسين (عليه السلام).
(11) في أخبار سنة 65هـ أن سليمان وجد في ديوانه ستة عشر ألفاً ممن بايعوه، ولم يوافه منهم أولاً إلا أربعة آلاف، ثم خرج إليه نحو ألف آخرين. انظر: ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، حوادث سنة 65هـ.
(12) تذكر أخبار حركة التوابين أن والي الكوفة ومن معه طلبوا من سليمان الإقامة حتى يعبئوا معه جيشاً كثيفاً لمواجهة ابن زياد، فلم يقبل البقاء.
(13) في خبر وصولهم إلى قرقيسيا عرض زفر بن الحارث عليهم الدخول إلى مدينته وتوحيد القوة، وحذرهم من مواجهة جيش الشام في الفضاء لكثرته، لكنهم استمروا في المسير إلى عين الوردة.
(14) انتهت عين الوردة بمقتل سليمان وانكسار التوابين، ولم يقتل عبيد الله بن زياد فيها. وقتل ابن زياد بعد ذلك على يد إبراهيم بن مالك الأشتر، والمشهور عند الطبري وغيره أن ذلك كان سنة 67هـ، وإن نقلت أقوال أخرى سنة 66هـ.
(15) الشيخ الصدوق، الخصال، ص27، ح95، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة».
(16) روي عن عبد الله بن عمرو: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، أخرجه الترمذي والنسائي؛ وقد رجح الترمذي والبخاري الوقف في بعض طرقه، مع ورود شواهد مرفوعة بألفاظ قريبة في النسائي وغيره. والمقصود هنا الاستشهاد بالمضمون في تعظيم حرمة الدم، لا بناء حكم سندي على طريق بعينه.
