يعيب عليّ بعض الأصدقاء أنني أطيل في مقالاتي، وكأن الفكرة كلما أمكن ضغطها في سطرين كانت أحق بالقبول، وكلما احتاجت إلى صفحات كان ذلك عيبًا في صاحبها.
وأتفهم شيئًا من هذا الاعتراض؛ فنحن نعيش في زمن السرعة: زمن المنشور القصير، والمقطع الذي لا يتجاوز ثواني، والعنوان الذي يُقرأ ولا يُقرأ ما تحته، والجملة التي ينبغي أن تُلتقط سريعًا ثم يُنتقل منها إلى غيرها.
ولا ريب أن الاختصار فضيلة، حين يكون معناه حذف الزوائد، وإحكام العبارة، والوصول إلى المقصود بأقل ما يكفي من الكلام.
ولكن الاختصار شيء، والاختزال شيء آخر.
الاختصار أن تحذف من العبارة ما يمكن حذفه من غير أن تخسر الفكرة شيئًا من حقيقتها.
أما الاختزال فهو أن تحذف من الفكرة نفسها ما لا تستقيم إلا به: سياقها، وشروطها، وقيودها، واستثناءاتها، وأدلتها، واعتراضاتها؛ ثم تقدم ما بقي منها في جملة سهلة الحفظ والتداول.
الاختصار يخفف العبارة ويحترم الفكرة.
أما الاختزال فيخفف الفكرة نفسها حتى لا يبقى منها إلا شعار صالح للاستهلاك.
وهنا تبدأ مشكلتي مع كثير من القضايا التي أكتب فيها.
فأنا لا أتعامل غالبًا مع أسئلة بِكر يسمع القارئ أطرافها للمرة الأولى، وإنما مع ملفات تراكمت حولها، خلال عشرات السنين، منظومات كاملة من الأفكار المعلّبة، والقوالب الجاهزة، والمصطلحات المشحونة، والثنائيات التي تعفي الإنسان من كلفة التفكير:
هذا معنا، وذاك ضدنا.
هذا ولائي، وذاك متخاذل.
هذا ثوري، وذاك انهزامي.
هذا موقف ديني، وذاك انحراف.
هذا يخدم القضية، وذاك يخدم العدو.
وبمجرد أن يوضع الإنسان أو الرأي في إحدى هذه الخانات، تكاد المناقشة تنتهي قبل أن تبدأ.
وهذه من أنجع وسائل الخطاب الشمولي في صناعة العقل الجمعي: لا يحتاج إلى أن يعطي أتباعه جوابًا تفصيليًا عن كل سؤال، بل يكفي أن يزودهم بعدد محدود من الأجوبة الجاهزة التي تصلح لكل سؤال.
لا تحتاج بعد ذلك إلى دراسة الواقعة؛ يكفي أن تعرف في أي خانة تضعها.
ولا تحتاج إلى وزن الحجة؛ يكفي أن تعرف من قالها.
ولا تحتاج إلى مناقشة الفكرة؛ يكفي أن تحدد هوية صاحبها.
وهكذا لا يعود الإنسان يفكر في كل قضية من جديد، بل يستدعي من مخزونه قالبًا معدًّا سلفًا ويلبسه لها.
ومن هنا لا يبقى الشعار مجرد اختصار للخطاب؛ بل يتحول بالتدريج إلى بديل عن التفكير.
ثم يأتي التكرار ليمنح هذه القوالب قوة إضافية.
فالعبارة تتكرر حتى تألفها الأذن، ثم تتحول الألفة شيئًا فشيئًا إلى شعور بالبداهة.
يقولها الخطيب، ويكتبها الكاتب، ويرددها المنشد، وتعرضها الشاشة، وتعيد نشرها الحسابات، حتى ينسى الإنسان متى سمعها أول مرة، ومن أين جاءت، وما دليلها، وهل ناقشها أصلًا؛ لكنه يشعر بأنها «واضحة»، و«معروفة»، و«من المسلمات».
وقد لا تكون بعض ما نحسبه مسلّمات ثمرة برهان قوي بقدر ما تكون عبارات نجحت في التكرار أكثر مما نجحت في الاستدلال.
ثم تتضافر قوة التكرار مع قوة الجماعة.
يسمع كل واحد العبارة من الآخرين، ويرى أن الآخرين يرددونها، فيطمئن إلى صحتها لأن الجميع يقولها، بينما قد يكون الجميع قد اطمأن إليها للسبب نفسه.
فتنشأ دائرة مغلقة:
الفكرة صحيحة لأن الجميع يقولها،
والجميع يقولها لأنها صحيحة!
وهكذا قد يبني العقل الجمعي يقينه من كثرة الأصوات لا من وزن الأدلة، ويستمد طمأنينته من المحيط الذي يوافقه، لا من إعادة فحص المقدمات التي قام عليها ذلك الاتفاق.
وإذا تحولت الفكرة، فوق ذلك، إلى جزء من هوية الجماعة، أصبح نقدها أشد صعوبة.
فالسؤال لا يعود:
هل هذه الفكرة صحيحة؟
بل يصبح، من حيث يشعر الإنسان أو لا يشعر:
ماذا يعني أن أشك فيها؟ هل ما زلت واحدًا منهم؟
وهنا تتحول المناقشة من ميزان الحقيقة إلى امتحان في الولاء.
ومن أروع ما يرسم منهج الخروج من هذه الدائرة قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
تأملوا هذا التعبير:
﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾.
كأن القرآن يقول لهم: لو أردت أن أختصر لكم الطريق في موعظة واحدة، وفي خصلة واحدة تفتح لكم باب الوصول إلى الحقيقة، فهذه هي:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
والمورد في الآية هو دعوى المشركين في رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن الطريقة التي يأمرهم بها القرآن للنظر في هذه الدعوى جديرة بالتأمل.
لم يقل لهم أولًا: فكروا.
بل وضع قبل التفكير شرطين:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾،
ثم:
﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾،
ثم جاء بعد ذلك:
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
فأول شروط التفكير المنتج أن يكون الإنسان طالبًا للحق لا طالبًا للانتصار؛ أن يقوم لله، لا لعصبيته، ولا لحزبه، ولا لجماعته، ولا للرغبة في إثبات صحة ما آمن به مسبقًا.
ثم يخرج من ضوضاء الحشد:
﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
لا يعني ذلك أن الإنسان يستغني عن كل ناصح أو محاور أو خبير؛ فالآية نفسها قالت: مثنى كما قالت: فرادى.
قد تحتاج إلى إنسان تحاوره، أو ناصح تستشيره، أو صاحب رأي تعرض عليه حجتك.
ولكن ثمة فرقًا بين أن تستعين بعقل آخر، وبين أن تسلّم عقلك إلى ضجيج الجماعة.
ولهذا لفت السيد الطباطبائي في الميزان عند تفسير الآية إلى أن «مثنى وفرادى» كناية عن «التفرق وتجنب التجمع والغوغاء»؛ لأن أجواء الغوغاء قد تميت الحق وتحيي الباطل. ثم يبين أن المقصود أن يتفرقوا حتى يصفو الفكر ويستقيم الرأي.
وهذه نكتة شديدة العمق:
إن القرآن في هذا المورد لا يأمرهم بمجرد التفكير، وإنما يهيئ أولًا البيئة التي يستطيع التفكير أن يعمل فيها.
اخرج قليلًا من الحشد.
اخفض الأصوات من حولك.
اجلس مع صاحب واحد تتناصحان بصدق، أو اجلس وحدك.
تجرد لله.
ثم فكر.
فربما لا تكون مشكلة الإنسان دائمًا أنه لا يملك عقلًا يفكر به، بل أن عقله لا يجد فرصة أن يسمع نفسه وسط ضجيج الجماعة.
وكم من إنسان يصعب عليه أن يرى ضعف فكرة ما وهو في مجلس يهتف الجميع لها، فإذا خلا بنفسه، وسكنت الأصوات، وبدأ يعيد ترتيب الأدلة واحدًا واحدًا، رأى ما لم يكن يستطيع أن يراه قبل ذلك.
ولهذا فإن الخروج من سطوة العقل الجمعي ليس نتيجة التفكير فحسب؛ بل قد يكون شرطًا من شروط إمكان التفكير نفسه.
وهنا أيضًا نفهم عمق ما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام:
«من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل أن يزول».
فالمشكلة ليست في احترام العلماء، ولا في الانتفاع بالمفكرين، ولا في الثقة بمن ثبتت خبرته.
المشكلة تبدأ حين ينتقل ميزان الحقيقة من الدليل إلى الرجل.
حين لا يعود الرجل محترمًا لأنه يدلني على الحق، بل يصبح الحق حقًا لأن الرجل قاله.
وعندئذ يستطيع الرجال أن يخرجوا الإنسان من الفكرة بالطريق نفسه الذي أدخلوه بها؛ لأنه لم يرتبط من البداية بالدليل، وإنما ارتبط بالأشخاص.
ومن هنا أفهم أيضًا لماذا يكون الصوت المخالف مزعجًا لبعض الجماعات أكثر مما تستدعيه قوة ذلك الصوت في نفسه.
فهو لا يقدم مجرد رأي آخر.
إنه يعيد فتح ملف أُغلق.
ويحول «المسلّمة» إلى سؤال.
ويفصل، ولو للحظة، بين الفكرة وهالة الجماعة المحيطة بها.
ويجبر الإنسان على أن يسأل نفسه:
لو لم يقل الناس من حولي هذا الكلام، هل كنت سأراه واضحًا إلى هذه الدرجة؟
ولو صدر الرأي نفسه ممن لا أحبه، هل كنت سأقبله؟
ولو صدر الاعتراض نفسه ممن أثق به، هل كنت سأرفضه بهذه السرعة؟
وهذه أسئلة مرهقة.
لأن الإنسان يجد راحة كبيرة في الإجابة الجاهزة، بينما يبدأ التفكير الحقيقي غالبًا من إفساد هذه الراحة.
أن تتوقف قليلًا قبل أن تردد.
أن تسأل: لماذا؟
أن تطلب الدليل.
أن تميز بين الفكرة وصاحبها.
أن تسمع الاعتراض قبل أن تصنف المعترض.
أن تقبل احتمال أن يكون من تحبه مخطئًا في مسألة، ومن تخالفه مصيبًا في أخرى.
وأن تحتمل ـ ولو مدة قصيرة ـ أن تقول: لا أدري.
وهذا يعيدني إلى السؤال الذي بدأت منه:
لماذا أكتب مطوّلات؟
لأنني حين أكتب لا أريد ـ ما استطعت ـ أن أستبدل عقلًا جمعيًا بعقل جمعي آخر، ولا شعارًا بشعار مضاد.
فليس هدفي أن أخرج القارئ من علبة فكرية لأضعه في علبة جديدة تحمل اسمي.
ولا أن أحفظه أجوبة أخرى جاهزة يرددها بدل الأجوبة التي كان يرددها.
بل أحاول أن أضع أمامه المقدمات، والنصوص، والوقائع، ووجه الاستدلال، والاعتراضات، والاحتمالات، وأميز ـ قدر المستطاع ـ بين المبدأ وتطبيقه، وبين الدليل والنتيجة، وبين ما أعلمه وما أظنه.
ثم أترك له أن يفكر.
فكيف أطلب من إنسان أن يتحرر من عقل جمعي صنعته الشعارات، ثم أحاول إخراجه منه بالشعارات؟
وكيف أعترض على من اختزل له عشرات السنين من التاريخ والسياسة والفقه والعقيدة في جملة، ثم أعالجه بجملة مضادة؟
لا يمكن، في الغالب، أن نخرج الإنسان من أسر الاختزال بمزيد من الاختزال.
ولهذا لا أدعي أن كل إطالة فضيلة، ولا أن كل ما أكتبه يحتاج إلى المقدار الذي أكتبه.
قد يكون الكلام طويلًا فارغًا، وقد يستطيع كاتب مقتدر أن يختصر صفحات في فقرة من غير أن يخسر شيئًا.
ولا أدعي أنني بمنأى عن التكرار أو الاستطراد.
ولهذا أراجع ما أكتب، وأحذف ما أراه زائدًا، وقد أحذف فقرة كاملة إذا وجدت أن الفكرة لا تخسر شيئًا بحذفها.
لكنني لا أريد أن يتحول هاجس الاختصار إلى اختزال.
ولا أن أحذف مقدمة يحتاج إليها الاستدلال، أو قيدًا تتغير النتيجة بدونه، أو اعتراضًا لا تكتمل أمانة البحث بإخفائه؛ لمجرد أن المقال سيكون أقصر وأسهل تداولًا.
ولذلك، نعم:
قد أطيل.
وقد يحتاج بعض ما أكتبه إلى عشر دقائق أو ربع ساعة من القراءة.
ولست أطلب من كل أحد أن يقرأ كل ما أكتب.
لكنني لن أختصر فكرة تحتاج إلى تفصيل حتى تصبح قابلة للهتاف، ولن أعالج آثار عقود من التلقين والقوالب الجاهزة بمزيد من القوالب الجاهزة.
فالمطلوب ليس دائمًا أن نعطي الناس ماذا يفكرون.
قد يكون الأهم أن نساعدهم على استعادة القدرة على أن يفكروا.
وإذا كان من أمراض عصرنا أن بعض الناس يريد أن يفهم قضية عمرها عشرات السنين في مقطع مدته عشر ثوان، فليس العلاج أن نختصر الحقيقة حتى تلائم المرض.
بل أن نستعيد تلك الموعظة القرآنية الواحدة:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
اخرج قليلًا من الضجيج.
تجرد للحق.
ثم فكر.
فبعض الحقائق يمكن اختصار عبارتها.
أما طريق الوصول إليها، فإذا اختصرناه أكثر مما ينبغي، فقد لا نكون قد اختصرنا الحقيقة...
بل غيّرناها.
