كانت الأسابيع القليلة الماضية، على قصرها، حافلة بالمنشورات والمقالات والسجالات، على صفحتي وصفحات غيري. تناولتُ فيها قضايا حساسة، كان أكثرها في المفاهيم والمباني العامة، وربما انتقلت في بعضها إلى تطبيق تلك المباني على وقائع أو مواقف أو شخصيات بعينها، فارتفعت ـ بطبيعة الحال ـ درجة التوتر في التعاطي مع ما أطرحه.
وبعد أن بلغت هذه المرحلة ما بلغت، أجد من المناسب أن أقول كلمة في الدافع والتوقيت والغاية، ثم فيما أنوي فعله بعد ذلك.
ما صدر مني في هذه الفترة لم يكن أمراً اعتباطياً، ولا اندفاعة حماس عابرة، ولا ثمرة حقد على أحد أو كراهية لأحد، ولا بحثاً عن شهرة أو رغبة في أن أصبح «ترنداً» على الفيسبوك.
ولو كانت لي مثل هذه الأطماع لظهرت منذ زمن بعيد، لا الآن بعد أن شابت اللحية، وبعد سنوات طويلة اخترت فيها أن أكون بعيداً عن الأضواء، منصرفاً ـ في حدود ما أستطيع ـ إلى الوظيفة التي رأيت أن الله تعالى وضعها على عاتقي بين جدران الحوزة العلمية وأروقتها: درساً وتدريساً، وتأليفاً وتحقيقاً، وتربيةً للطلاب وإرشاداً وتوجيهاً. ولا أكاد أرتقي منبراً عاماً أو أظهر في وسيلة إعلامية إلا نادراً.
وعلى كل حال، الله سبحانه أعلم بالنيات، وهو من وراء القصد.
ولم أكن غافلاً كذلك عما قيل في التوقيت.
أعرف أن الحرب لم تضع أوزارها تماماً، وأننا لا نزال نلقى ما نلقى من العدو الصهيوني المتغطرس، المسنود من قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وأدرك أن الحديث في بعض هذه الملفات في مثل هذه الظروف يثقل على كثير من القلوب.
كما لم أكن غافلاً عن الاعتراض الآخر: أن مثل هذه الأبحاث لا ينبغي أن تطرح على صفحات الفيسبوك وأمام الملأ، لما قد تثيره من سجال وشقاق.
ولم أكن غافلاً أيضاً عن أن بعض الجهات المشبوهة، التي لا تعادي خطاً سياسياً بعينه فحسب، بل ربما تحمل عداءً للتشيع نفسه، قد تقتطع بعض كلامي أو تستثمره في غير ما أريد. ولعله وقع شيء من ذلك بالفعل.
كل هذا كان حاضراً عندي.
فلماذا تكلمت إذن؟
لأنني شعرت أن المسألة ـ ولا سيما في الوسط الشيعي اللبناني ـ لم تعد مجرد خلاف في تقدير موقف سياسي هنا، أو قرار عسكري هناك، أو تشخيص وظيفة عملية في ظرف معين.
شعرت أننا نقترب من مفترق فكري وعقدي أخطر من ذلك بكثير.
بدأ خطاب سياسي، نشأ في ظروف سياسية وثورية معينة، يتحول شيئاً فشيئاً إلى خطاب يريد أن يعيد تشكيل بعض مفاهيم المذهب نفسه، وأن يؤسس موازين جديدة للولاء والبراءة، وفهماً جديداً للإمامة، وللوظيفة في زمن الغيبة، ولعلاقة الشيعي بإمام زمانه.
ومن هنا كتبت سابقاً عن «عقدنة مفهوم التمهيد»، وعن السؤال: هل نحن أمام انتقال من التشيع الإمامي إلى صياغة جديدة يراد لها أن تسمى، تصريحاً أو ضمناً، «التشيع الحسيني»؟
المشكلة عندي ليست في أن يختلف الفقهاء في مشروعية حركة سياسية، ولا في أن يرى فقيه مشروعية الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة بشروطه، ولا ـ من باب أولى ـ في الدفاع عن النفس والأرض والعرض عند تحقق موضوعه.
وكل محاولة لتحويل كلامي إلى دعوة للاستسلام لمن يعتدي على الناس، أو إلى القول بأن الإنسان يجلس في بيته حتى يذبحه عدوه، ليست مناقشة لما أقول، بل تشويه له.
حديثي عن القيام في زمن الغيبة شيء آخر.
حديثي عن فكرة ترى أن علينا أن نبدأ المشروع المهدوي نفسه قبل ظهور صاحب المشروع: أن نبدأ نحن بإقامة دولة العدل الإلهي، وبسط سلطان الإسلام على الأرض، وإسقاط الأنظمة وإعادة تشكيل العالم، فإن استطعنا إنجاز المشروع كله جاء الإمام ليجد المشروع منجزاً، وإن أنجزنا بعضه بنى عليه وأتمه.
هذا هو محل الكلام.
وأنا أرى أن من له أدنى أنس واسع بتراث أهل البيت (عليهم السلام) يدرك مقدار حساسية هذه الفكرة وخطورتها، وأنها ليست تفصيلاً سياسياً عابراً حتى يعالج بمنطق الشعارات.
لكن الذي أقلقني أكثر أن الخطاب أخذ يتجاوز حتى هذه المرحلة.
حين يقال إن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) إمام نعتقد به، ولكننا نحتاج في عصر الغيبة إلى «إمام نقتدي به»، ثم تستحضر آية: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ ليقال للشيعي إنك لا يكفي أن تقول يوم القيامة: إمامي المهدي، بل ينبغي أن يكون لك إمام آخر تقتدي به في زمن الغيبة؛ فهذه عندي ليست جملة حماسية تمر مرور الكرام.
وحين يصل الخطاب إلى أن الجزء الذي نعتقد أننا أنجزناه من المشروع المهدوي يمكن أن يصبح من الأهمية بحيث يهون في سبيل بقائه حتى صاحب المشروع نفسه، فهنا نحن لا نناقش تفصيلاً في السياسة ولا اختلافاً في قراءة حدث.
نحن نقترب من مناطق تمس صميم التصور الإمامي.
وقد أكون مخطئاً في تشخيصي. ولكنني حين رأيت أن هذه الإرهاصات لم تعد كلمات متناثرة، وأنها أخذت تتراكم حتى توحي بنشوء بناء فكري متكامل، شعرت أن السكوت لم يعد هو الخيار الأسلم.
وقد يكون التقويم مؤلماً.
لكنه، إذا كان صادقاً ومنصفاً، ليس عداءً لمن يختلف معنا، بل قد يكون من أصدق صور النصيحة له.
وهناك سبب آخر دفعني إلى رفع الصوت.
الحزب المقاوم في لبنان ـ وأتعمد هذه العبارة ولا ألزم نفسي بالأوصاف التي أصبحت في فضاء التواصل الاجتماعي بطاقات تصنيف سياسية مسبقة ـ تحول مع مرور العقود إلى قوة شديدة الحضور داخل الطائفة، حتى كاد الخطاب السياسي الشيعي كله يصب في قالب واحد.
وقد قلت، وقال معي غيري، منذ سنوات طويلة: إن هذا ليس بالضرورة مكسباً استراتيجياً للطائفة.
قد يبدو مكسباً آنياً أن تصير الطائفة كلها صوتاً واحداً، وموقفاً واحداً، واتجاهاً واحداً؛ ولكن الأقليات لا تحمي نفسها دائماً بهذه الطريقة.
من عناصر قوة أي جماعة أن تبقى داخلها مساحات متعددة من التفكير والاجتهاد والموقف، يجمعها إطارها العقدي العام، ولا يحولها الاختلاف في تشخيص السياسة والمصلحة إلى جماعات متناحرة.
فإذا أصاب أحد الاتجاهات ضعف أو انكسار بقي في الجماعة من يستطيع أن يسنده، وأن يعيد إنتاج حضورها من موقع آخر.
أما أن توضع الطائفة كلها في سلة سياسية واحدة، وأن يعسكر مجتمع كامل داخل مشروع واحد، فإن ارتدادات نجاح ذلك المشروع أو إخفاقه لن تبقى حينئذ خاصة بأصحابه، بل سترتد على الجميع.
والمشكلة الأشد أن هذا الاحتكار رافقه، خلال سنوات طويلة، خطاب يصنف المخالف بسهولة:
من لم يكن معنا في رؤيتنا لكيفية مواجهة الهيمنة الأمريكية أو العدوان الصهيوني، فهو ـ بصورة أو بأخرى ـ يخدم المشروع الأمريكي أو الصهيوني، عن علم أو عن غير علم.
وهذا ظلم.
في هذه الطائفة علماء وأهل دين وتقوى، أفنوا أعمارهم في الحوزات العلمية، ولم يعرف عنهم اتصال بسفارة ولا ارتماء في أحضان خصوم التشيع، ومع ذلك اختلفوا مع هذا الخط في بعض مبانيه أو تشخيصاته.
كان ينبغي أن يسمح لهؤلاء بأن يكون لهم صوت محترم.
كان ينبغي أن يقال: هؤلاء منا، وهم يخالفوننا، ونحن نناقشهم ونختلف معهم، ولا نسلبهم دينهم ولا وطنيتهم ولا تشيعهم.
ولو حصل ذلك، لأمكن بعده أن يقال بوضوح: إن اعتراضنا على أمثال «م. ع. ح.» أو «م. ع. ف.» وأشباههما ليس لمجرد أنهم خالفونا، بل لما يحيط بخطاب هذا أو ذاك من إشكالات وشبهات ومآرب؛ والدليل أننا نفتح صدورنا للمخالف النزيه ونحترمه.
أما إذا طالت تهمة العمالة كل مخالف، من العالم المعروف إلى صاحب الخطاب المشبوه، فالنتيجة الطبيعية أن تمحى الحدود بينهما.
بل إن إسكات الأصوات العلمية الرزينة هو الذي يفسح المجال، في نهاية المطاف، للأصوات الأقل علماً والأكثر ابتذالاً لكي تحتكر هي موقع «المعارضة».
وهذا كله لم يخطر لي قبل أسبوعين أو ثلاثة.
منذ سنوات طويلة كنت أوصل هذا الكلام بطرق مختلفة: في جلسات خاصة، وفي أوساط حوزوية، وإلى مشايخ ومسؤولين يستطيعون إيصال الصوت إلى مواقع القرار.
وللأسف لم تكن النتيجة دائماً مجرد عدم الإصغاء.
وللمرة الأولى أشير علناً، وبأقل قدر ممكن من التفصيل، إلى شيء مما جرى معي في قم المقدسة.
لقد بلغ الأمر في مرحلة من المراحل إلى تهديد جدي في النفس، وإلى أجواء أرعبت أهل بيتي وأولادي. وأذكر أن المرحوم السيد جعفر مرتضى العاملي اتصل بي يومها، وطلب مني بإلحاح شديد ألا أذهب إلى منتدى جبل عامل لإلقاء درسي، بعدما بلغه من جهات مسؤولة أن سلامتي قد تكون معرضة للخطر.
فنقلت درسي يومئذ من المنتدى إلى مكتب المرجع الراحل السيد محمد الشاهرودي (رضوان الله تعالى عليه)، ثم انتهى بي الأمر، بعد أن رأيت جدية الأجواء واستمرارها، إلى مغادرة قم والاستقرار في النجف الأشرف.
ولا أريد أن أزيد على هذا الآن.
ولا أتمنى أن أضطر يوماً إلى فتح تفاصيل تلك المرحلة وأسماء من شارك فيها. وكل ما أذكره مما يتعلق بهذه الوقائع لا أذكره إلا وأنا مستعد لتحمل مسؤوليته وإقامة ما لدي عليه.
ومع ذلك كله، لم أحمل معي إلى النجف مشروع ثأر.
لم أذهب إلى منابر خصوم هذا الخط، ولم أجعل ما أصابني مادة للتشهير بمن آذاني، ولم أبنِ حياتي على تصفية حساب قديم.
جئت إلى النجف، وعدت إلى ما أراه وظيفتي الطبيعية: الدرس والتدريس، وتأسيس مشروع علمي وتربوي، والكتابة والتحقيق وتوجيه الطلاب، مع استمرار النصيحة في المجالس الخاصة كلما وجدت إليها سبيلاً.
حتى شعرت في هذه المرحلة الأخيرة أن الأمر تجاوز حدود ما يمكن أن يعالج في الغرف المغلقة.
فرفعت الصوت.
وأعتقد أن الرسالة الأساسية قد وصلت:
هذه الطائفة لا يختزلها أحد.
لا تختزل في شخص، ولا في حزب، ولا في تيار سياسي، ولا في تجربة تاريخية مهما كان لها من فضل أو تضحيات.
ولا يمكن أن نكون جميعاً أبواقاً والنافخ فيها واحد.
هذا هو منطق الأحزاب الشمولية، وليس منطق مدرسة علمية عمرها أكثر من ألف عام قامت على البحث والمناقشة والرد والنقض والاجتهاد واختلاف الأنظار.
ولا معصوم عندنا إلا من عصمهم الله.
يكفينا غلواً في الأشخاص.
حين أناقش كلاماً للسيد الخميني، وأرى أن دليله غير تام، فهذا لا يعني أنني أهينه. وحين أناقش كلمة للسيد الخامنئي فهذا لا يجعلني عميلاً. كما أننا منذ قرون نناقش الشيخ الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي والعلامة الحلي وغيرهم من أعاظم علمائنا، ونجلهم ونحفظ فضلهم، ثم نقول بكل بساطة: أخطأ هنا، ولم يتم دليله هناك.
هذا هو العلم.
العالم يحترم، لكنه يناقش.
والقائد السياسي يحترم، لكنه يناقش.
والتجربة التاريخية تقدر، لكنها تناقش.
ولا يصبح أحد فوق السؤال والنقد لمجرد أن له في النفوس منزلة كبيرة.
لقد رفعت صوتي في هذه الأسابيع، وتحملت ما ترتب على ذلك، وكان المقصود قبل كل شيء كسر حاجز الصمت، وإثبات أن داخل هذه الطائفة صوتاً آخر يمكن أن يقول: أنا منكم، وأحب لكم الخير، ولكنني لا أرى ما ترونه، ولا أعتقد أن مخالفتي لكم تسلبني ديني أو تشيعي أو حقي في الكلام.
وأظن أنني أوصلت من ذلك ما استطعت إيصاله.
والآن نحن على مشارف عام دراسي حوزوي جديد، ولي التزامات علمية وتدريسية وغير تدريسية كثيرة. وقد استهلكت هذه الأسابيع قدراً غير قليل من وقتي وجهدي وصحتي وأعصابي.
لذلك سأعود شيئاً فشيئاً إلى سيرتي الأولى.
هذا لا يعني أنني سأتوقف أو أنكفئ، ولا أنني تراجعت عما قلته.
سأكمل ما بدأت به، ولكن بوتيرة أهدأ وأبطأ؛ فقد يكون المقال مرة في الأسبوع، وقد يفصل بين المقالين أسبوعان، وليس التوقيت هو المهم.
وفي المقابل هناك شبهات عقدية تحتاج إلى جواب، وقضايا فكرية شائكة، وأبحاث فقهية وأصولية، وتراث واسع لأهل البيت (عليهم السلام) يستحق أن نعود إليه. وهذه هي المساحة التي أريد أن تستعيد نصيبها الطبيعي من هذه الصفحة.
وأرجو من الإخوة الذين أصبح بعضهم ينظر إليّ كأنني عدو لهم أن يهدأوا قليلاً، وأن يقرأوا ما كتبت بعين الإنصاف.
إن وجدوه حقاً فليقبلوه، وإن لم يروه حقاً فليتركوه.
أنا الذي أتحمل مسؤوليته أمام الله، لا هم.
وأرجو أن نغلق، من الطرفين، باب الشتم واللعن والتخوين والتنابذ.
ولا أنكر أن بعض المؤيدين لما أطرحه انجروا هم أيضاً إلى هذه اللغة. وأنا أشهد الله أنني لا أرضاها من أحد، لا ممن يؤيدني ولا ممن يخالفني. ولا أملك أن أراقب آلاف التعليقات، ولا أريد أن أغلق باب التعليق بالكلية؛ فلا أملك إلا أن أقول لمن يحترم رأيي:
لا تجعلوا الدفاع عن كلامي سبباً لمخالفة أخلاق أهل البيت (عليهم السلام). ولا تستدرجنكم الإساءة إلى إساءة، ولا التخوين إلى تخوين، ولا الشتيمة إلى شتيمة.
فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسد ما يجمعنا من ولاية محمد وآل محمد (عليهم السلام).
وأستغفر الله تعالى من كل كلمة صدرت مني فتسببت بأذية شخص أو جماعة من غير أن يكون ذلك مقصودي، ومن كل موضع أخطأت فيه التقدير أو التعبير.
لم أرد ـ فيما أعلم من نفسي ـ إلا النصيحة، والقيام بما شخصته وظيفة في هذه المرحلة.
وقد أكون أصبت في أصل التشخيص، وقد أكون أخطأت.
وقد أكون أصبت في تشخيص المشكلة وأخطأت في بعض طرائق معالجتها.
فالإنسان ليس معصوماً، ولا يملك لنفسه شهادة العصمة ولا الصواب الدائم.
حسبه أن يبذل وسعه، وأن يحاكم نفسه ما استطاع إلى الموازين التي أخذها من كتاب الله ومن عترة نبيه صلى الله عليه وآله، ثم يكل سريرته وعاقبة عمله إلى الله.
أسأل الله أن يغفر لي ولكم، وأن يرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، وأن يحفظ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من عدوهم، ومن أخطائهم، ومن أنفسهم أيضاً.
وهو سبحانه من وراء القصد، وإليه المرجع والمآب.
والحمد لله رب العالمين.
