قد ينتهي بعض المقلدين، استناداً إلى فتوى مرجعه الذي يرى أن تقليده مبرئ لذمته أمام الله، وقد ينتهي بعض المجتهدين، استناداً إلى ما أوصله إليه الدليل الشرعي، إلى أن الوظيفة في زمن الغيبة هي السكون وعدم رفع الرايات وعدم الخروج معها، حتى لو كان رافع الراية حسن النية، بل حتى لو كان يقول إنه لا يدعو إلى نفسه، وإنما يدعو إلى الإمام (عليه السلام).

وحجة المقلد فتوى مرجعه، وحجة المجتهد ما قام عنده من الأدلة. وليس هذا موضع استعراض أدلتهم ولا الدفاع عنها.

ومن جملة ما يستند إليه أصحاب هذا الرأي أن بعض الروايات لا تجعل منشأ النهي فساد نية الخارج أو طلبه السلطان لنفسه، بل تحذر من عاقبة الخروج نفسه؛ فقد يخرج الإنسان لإعزاز حق أو دفع ظلم، ثم «تصطلمه البلية»، ويكون خروجه زيادة في مكروه أهل البيت (عليهم السلام) ومكروه شيعتهم.

ومن يراجع ما انتهت إليه كثير من الرايات التي رُفعت باسم الحق، قديماً وحديثاً، حتى التي كان أصحابها ذوي نيات حسنة ودوافع صادقة، من نكبات ونتائج كارثية جرتها على أتباع المذهب، يستطيع أن يفهم لماذا أخذ بعض الفقهاء هذه التحذيرات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بمنتهى الجدية، ورأوا في التاريخ القديم والمعاصر شاهد صدق على مضمون تلك التحذيرات.

ومع ذلك، فمن يتبنى هذا الرأي اجتهاداً أو تقليداً لا يلزمه أن يصادر حق غيره في أن يخالفه اجتهاداً أو تقليداً.

فليختلف الفقهاء، وليختلف المقلدون تبعاً لمراجعهم.

ولكن متى تصبح المسألة الاجتهادية مادة للسخرية؟

لكي أسخر من حكم فقهي مزعوم، لا بد أن يكون بطلانه من الوضوح بحيث أقطع أنه ليس حكم الله، ولا أحتمل أن يكون هو الحكم الواقعي الثابت في الشريعة.

فأنا أستطيع أن أسخر من القول بحلية شرب الخمر في الشريعة الإسلامية ومن القائل به؛ لأن حرمة شرب الخمر من ضروريات الدين الإسلامي، وليست حكماً نظرياً داخلاً في دائرة الاجتهاد ليكون مسرحاً للآراء المختلفة.

وهكذا كل حكم ثبت بطلانه بالضرورة، سواء كانت الضرورة دينية أو مذهبية أو فقهية.

أما المسألة النظرية الاجتهادية، فالأمر مختلف.

خذوا مثالاً معروفاً: مشروعية صلاة الجمعة في زمن الغيبة.

ذهب جمع من الفقهاء إلى أنها من مختصات المعصوم (عليه السلام)، وأن من شروط مشروعيتها حضوره، فيكون الإتيان بها بعنوان المشروعية في زمن الغيبة تشريعاً محرماً. وقد نسب السيد الخوئي (قدس سره) هذا القول في بعض تقريرات بحثه إلى مشهور الفقهاء.

وفي المقابل يرى كثير من المراجع المعاصرين مشروعيتها في زمن الغيبة مع توفر سائر شروطها.

فلو كنت أقلد من يرى مشروعيتها، فهل أستطيع أن أقسم بالله أن حكم الله الواقعي هو مشروعية صلاة الجمعة في زمن الغيبة، وأن القول بعدم مشروعيتها باطل في الواقع قطعاً؟

كلا.

فلعل الحكم الواقعي هو هذا، ولعله ذاك.

وما عند المجتهد هو الحجة التي يجب عليه العمل بها، لا عصمة تكشف له ما هو ثابت في علم الله.

فإذا جعلت القول الآخر ـ أعني عدم مشروعية صلاة الجمعة في زمن الغيبة ـ مادة للتندر والضحك، مع أنني لا أزال أحتمل أن يكون هو حكم الله الواقعي، بل رفعت في مقابله شعاراً من قبيل: «لن نترك صلاة الجمعة في زمن الغيبة»، فأنا لا أعود آمناً من أن يكون ما جعلته مادة للسخرية والاستخفاف هو، في الواقع، حكم الله نفسه.

وهنا تأتي رواية الإمام الباقر (عليه السلام) في الفأرة لتضع يدها على أصل المشكلة.

سئل (عليه السلام) عن فأرة وقعت في خابية فيها سمن أو زيت، فقال:

«لا تأكله».

فقال الرجل:

«الفأرة أهون عليَّ من أن أترك طعامي من أجلها».

فقال له الإمام (عليه السلام):

«إنك لم تستخف بالفأرة، وإنما استخففت بدينك».

الرجل لم يقل: أنا أستهزئ بدين الله، ولم يقل: لا أبالي بما حكم الله به. وإنما كان ما عنده مجرد استبعاد واستثقال: استبعد أن تكون فأرة حقيرة سبباً لترك خابية من السمن أو الزيت ذات قيمة.

لكن الإمام (عليه السلام) لم يجعل هذا الاستبعاد مسوغاً للاستخفاف، بل كشف له أن القضية تجاوزت الفأرة إلى الحكم الديني المتعلق بها:

«إنك لم تستخف بالفأرة، وإنما استخففت بدينك».

فإذا كان مجرد الاستبعاد لا يسوغ الاستخفاف بحكم ثبت من طريقه، فمن باب أولى ألا نجعل حكماً اجتهادياً نحتمل مطابقته للواقع مادة للسخرية لمجرد أننا نستبعده أو نخالفه.

وهنا الميزان:

الاستبعاد شيء، واليقين بأن هذا ليس حكم الله شيء آخر.

قد تقول: أستبعد أن تكون وظيفة الشيعة في زمن الغيبة السكون وعدم رفع الرايات.

استبعد ما شئت.

لكن هل أنت متيقن أن الله لم يحكم بذلك؟

إن كنت متيقناً حقاً، لا متحمساً، ولا منساقاً وراء بيئة سياسية، ولا صاحب اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، فالأمر بسيط:

بيننا وبينك الحلف.

والحلف هنا ليس دليلاً فقهياً على صحة المبنى أو بطلانه، وإنما هو محك يكشف الفرق بين دعوى اليقين التي يسهل إطلاقها في الجدال، وبين اليقين الذي يتحمل صاحبه مسؤولية الشهادة عليه بين يدي الله.

فهل يستطيع من يسخر من قول: «كونوا أحلاس بيوتكم»، ويسمي أصحاب هذا الرأي «جماعة الحليسة» أو «اللحيسة»، ويتندر بولادة «فرقة الحليسة»، بل يرفع في مقابل لسان ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) شعاراً: «لن نكون أحلاس بيوتنا»، أن يحلف:

والله، بالله، تالله، إن الله لم يجعل للشيعة في زمن الغيبة حكماً بالسكون وعدم رفع الرايات وعدم الخروج معها؟

ثمّ إن كان عنده هذا اليقين وحلف، فليأت بدليله القطعي لأن بطلان القول المذكور ليس من ضروريات الدين ولا المذهب ولا الفقه.

أما إذا قال: لا، أنا أفهم الروايات على نحو آخر؛ لا يتم سندها عندي، أو لا أرى لها إطلاقاً أزمانياً، أو أراها خاصة برايات الضلال، أو عندي ما يعارضها أو يقيدها...

فمرحباً.

هذه لغة العلم والاجتهاد.

ناقش السند والدلالة، والإطلاق والتقييد، والتعارض والجمع بين الروايات، وخطّئ من شئت بالدليل.

أما أن تنتقل من قولك: «أنا لا أفهم من الروايات هذا الحكم» إلى السخرية من الحكم نفسه، ومن اللسان الذي عبّرت به الروايات عنه، فهذه نقلة لا يسمح بها الاجتهاد.

لأن المطلوب من الإنسان ليس أن يوافقنا.

المطلوب فقط:

أن يعرف حدود علمه، وألا يتجرأ على خالقه.

وحينئذ فليست المشكلة أنهم استخفوا بنا.

نحن أهون من أن يكون الاستخفاف بنا هو المشكلة.

المشكلة أنه أراد أن يستخف بـ«الحليسة» و«اللحيسة»، فإذا به يجعل لساناً ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وحكماً لا يستطيع أن يقطع بأنه ليس حكم الله، مادةً للاستخفاف والسخرية.

وهنا لا أجد أبلغ من التأسي بالإمام الباقر (عليه السلام) بالقول لكم:

ليس بنا استخففتم، ولكنكم استخففتم بدينكم.