ليست المشكلة في أن يكون لحزب إسلامي مشروع سياسي، ولا في أن يعتقد بصواب مشروعه ويدعو إليه؛ فهذا حق لكل صاحب فكرة. المشكلة تبدأ حين لا يعود المشروع فهمًا للدين، بل يصبح هو الدين نفسه، وحين لا تعود القيادة اجتهادًا بشريًا يمكن أن يصيب ويخطئ، بل تتحول ـ في الوعي الحزبي ـ إلى ممثل شبه حصري للإسلام، ويغدو التنظيم هو الجماعة المؤمنة، وما يقع خارجه يقترب، بدرجات مختلفة، من الضلال أو النفاق أو العمالة أو خذلان الدين.

هنا يبدأ المسار الذي يمكن أن ينتهي بما أسميه: الانتقال من الاستكبار إلى المكابرة.

في المرحلة الأولى يكون التنظيم في طور التأسيس والتعبئة. يحتاج إلى أنصار مستعدين للتضحية، فيقدّم الصراع السياسي بلغة عقدية وأخلاقية حادّة: نحن مشروع الإسلام، وخصومنا لا يعارضون خيارًا سياسيًا وإنما يقفون في وجه الإسلام نفسه. ومع طول الزمن تنشأ أجيال داخل بيئة فكرية مغلقة نسبيًا، تتلقى التاريخ والأحداث والخصوم من زاوية واحدة، فتتداخل في وعيها ثلاثة أشياء كان ينبغي أن تبقى متميزة: الدين، والمشروع السياسي، والتنظيم.

وعندما يحصل هذا التداخل يصبح نقد التنظيم أثقل بكثير من نقد فكرة سياسية؛ لأنه يُستقبل نفسيًا وكأنه طعن بالدين، أو بالجماعة، أو بالتضحيات، أو بالشهداء، أو بالماضي الشخصي للإنسان نفسه. وهذا قريب مما تصفه بعض دراسات علم النفس الاجتماعي بـ«اندماج الهوية» بالجماعة؛ أي أن تصبح الجماعة جزءًا من تعريف الإنسان لذاته، فتزداد قابلية الدفاع عنها دفاعًا يتجاوز الحساب البارد للمكاسب والخسائر. وتربط أبحاث أخرى الهوية السياسية بما يسمى «الاستدلال المدفوع بالهوية»، حيث لا تعود المعلومة تُفحص بمعزل عن موقعها من هوية الجماعة ومكانتها. وهذه آليات عامة لا تختص بالإسلاميين ولا بجماعة بعينها.

ثم تأتي مرحلة القوة.

تكبر الجماعة، وتتسع قاعدتها، وتراكم حضورًا سياسيًا واجتماعيًا، وربما تمتلك المال والسلاح والمؤسسات والمنابر. وهنا يقع الامتحان الأخطر: فقد تتحول النجاحات المرحلية في الوعي الداخلي من دليل على نجاح بعض السياسات إلى دليل على صحة المشروع برمته، بل إلى شيء يشبه الشهادة الإلهية له.

وعندها لا يعود المختلف مجرد مخالف ينبغي أن يُسمع؛ فقد يتحول إلى شخص يجب إسكات صوته أو إسقاط اعتباره. وتبدأ أدوات القوة الناعمة والخشنة بالعمل: التخوين، والتشهير، والإقصاء، والتهويل، والضغط الاجتماعي، وتحويل الاعتراض على القرار إلى اعتراض على الجماعة، ثم تحويل الاعتراض على الجماعة إلى مساس بالدين أو بالمقدسات.

وهنا يحضر التعبير القرآني العجيب:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6 ـ 7].

فالآية لا تقول إن الإنسان يطغى لأنه قوي فحسب، بل تلفت إلى رؤيته لنفسه مستغنيًا؛ إلى الحالة النفسية التي تصنعها القوة حين يظن صاحبها أنه لم يعد محتاجًا إلى الآخرين، ولا إلى نقدهم، ولا إلى مراجعة نفسه.

وقصة فرعون في القرآن لا تعرض الاستكبار بوصفه شعورًا نفسيًا مجردًا، بل تربطه ببنية السلطة نفسها:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4].

فالعلو يقترن بتقسيم المجتمع، وإضعاف بعض فئاته، واستخدام التفوق لمنع التوازن في القوة. والسيد الطباطبائي يقرأ «العلو» هنا بمعنى التجبر والاستكبار الناشئ من بسط السلطة وإنفاذ القدرة في الناس.

لكن الأخطر يبدأ عندما يفشل المشروع.

فهنا يفترض ـ لو بقي المشروع بشريًا في وعي أصحابه ـ أن تبدأ المراجعة: أين أصبنا؟ أين أخطأنا؟ هل كانت حساباتنا واقعية؟ هل النتائج متناسبة مع الأثمان؟ هل حذّرنا آخرون من أمور ثبت بعد ذلك أن تحذيرهم لم يكن بلا أساس؟

غير أن الاعتراف في التنظيم المؤدلج لا يكون بهذه السهولة؛ لأن المطلوب لم يعد الاعتراف بخطأ قرار واحد، بل قد يشعر الإنسان أنه مطالب بإعادة النظر في عشرات السنين من حياته، وفي قادة وثق بهم، وتضحيات قدّمها، ومواقف دافع عنها، وخصومات خاضها. ولذلك يصبح ثمن الاعتراف النفسي والاجتماعي بالغًا.

وهنا ينتقل التنظيم من الاستكبار إلى المكابرة.

في زمن القوة كان يقول لمعارضيه، بلسان الحال: نحن الأقوى، ولن تستطيعوا إيقافنا.

وبعد انكشاف الفشل يصبح لسان الحال: لن نسمح لكم بأن تقولوا إنكم حذرتمونا.

فيتحول الجهد من إثبات نجاح المشروع إلى منع تثبيت فشله؛ ومن الدفاع عن القرار بالحجة إلى الدفاع عن الصورة والرمز والتاريخ. يعاد تعريف النجاح، وتنقل الأهداف كلما تعذر الوصول إليها، وتنتقى الوقائع التي تخدم الرواية، وتهمش الوقائع المحرجة، ويصبح نقد الناقد أهم من مناقشة نقده: من هو؟ ماذا يريد؟ لمن يعمل؟ لماذا يتكلم الآن؟ ومن يقف خلفه؟

وهنا يبدو قوله تعالى في قصة فرعون وملئه شديد الدلالة على البنية النفسية للمكابرة:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

فالقرآن يرسم حالة يمكن أن ينفصل فيها الإقرار الباطني عن الموقف المعلن؛ لا لغياب الدليل، بل لأن الاعتراف بالحق يتعارض مع العلو والموقع والمصلحة والصورة التي صنعها الإنسان لنفسه.

ولعل أبلغ تصوير لحظة المكابرة قوله تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: 206].

أي إن المشكلة لم تعد في عدم وصول النصيحة إليه، بل في أن النصيحة نفسها أصبحت مستفزةً لعزة صنعها موقعه، فلا تقوده المراجعة إلى التراجع، بل يدفعه الاعتزاز بالموقف إلى مزيد من الإصرار عليه. وقد شرح السيد الطباطبائي الآية باعتبارها «عزة» ظاهرية اكتسبها صاحبها بالإثم والنفاق، لا العزة الحقيقية التي تكون لله.

ومن هنا نفهم خطورة العصبية التنظيمية. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الكافي:

«مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ».

وروي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في تفسير العصبية:

«لَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ».

وهذه العبارة تضع معيارًا بالغ الدقة: المشكلة ليست في الانتماء والمحبة والوفاء، وإنما تبدأ حين يتحول الانتماء إلى تعطيل معيار الحق والباطل؛ فيصبح فعل جماعتنا حسنًا لأنها جماعتنا، وفعل خصمنا قبيحًا لأنه خصمنا.

وفي خطبة القاصعة يعيد أمير المؤمنين (عليه السلام) أصل هذا المرض إلى إبليس؛ فلم تكن مشكلته أنه لم يعرف الأمر الإلهي، وإنما ـ كما يقول الإمام ـ «اعترضته الحمية، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله». فالحمية تسبق صناعة المبررات، ثم يأتي العقل ليبرر ما قررته العصبية والأنفة سلفًا.

ولهذا ينبغي التفريق بين الثبات والمكابرة.

الثبات أن تبقى على موقفك بعد أن تسمع النقد وتفحص الأدلة وتجدها غير كافية لتغييره.

أما المكابرة فهي أن يصبح تغيير الموقف ممنوعًا سلفًا، مهما تغير الواقع ومهما ظهرت النتائج؛ لأن الاعتراف بالخطأ صار أخطر على التنظيم من استمرار الخطأ نفسه.

وليس سقوط مشروع سياسي برهانًا تلقائيًا على بطلان كل مبادئ أصحابه، كما أن نجاحه المؤقت ليس برهانًا على أنه يمثل إرادة الله. المشكلة تبدأ يوم يصبح الحزب هو الميزان الذي يقاس به الحق، بدل أن يبقى الحق هو الميزان الذي يقاس به الحزب.

ولعل هذا هو الدرس الأعمق في قوله تعالى:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83].

فالمشكلة ليست فقط أن يعلو الإنسان؛ وإنما أن يريد العلو، وأن يصبح التفوق على الناس جزءًا من مشروعه ومن تصوره لنفسه. وقد فسر السيد الطباطبائي إرادة العلو هنا بأنها الاستعلاء والاستكبار على عباد الله.

إن أخطر ما يصيب المشروع الديني السياسي ليس أن يخسر معركة أو يفشل في تجربة، فالإنسان يخطئ والمشاريع تخفق. الأخطر أن يفقد القدرة على الاعتراف، وأن يحتاج ـ لكي يحافظ على قدسيته ـ إلى إسكات من قال له يومًا: إن الطريق الذي تسلكه قد يقودك إلى هنا.

عندئذ لا يعود الخلاف حول مشروع سياسي فحسب.

بل تصبح القضية: هل بقي الدين ميزانًا نحاكم به الحزب، أم أصبح الحزب هو الذي يحدد لنا ماذا يقول الدين؟

وبين هذين طريق طويل يبدأ بالاستكبار حين توجد القوة، وينتهي بالمكابرة حين تنكشف حدودها.