وردني سؤال في إحدى التعليقات على منشوري حول الموقف تجاه القضية الفلسطينية وهذا نصّه:

(عفوا شيخنا الكريم! أنا من عامة الناس، وفهمي أكيد لا يداني فهمكم، ولكن عندي سؤال: من الضامن أو هل تضمن أن العدو الصهيوني لايعتدي علينا سواء في لبنان أو العراق أو الجمهورية الإسلامية حتى لو تركنا أمر فلسطين لاهلها وأخذنا جانب السلم؟ ولكم مني كل الاحترام).

وأقول في جوابه:

أخي الكريم! أشكرك على سؤالك وأدبك، وسؤالك مهم؛ لأنه يتيح لي أن أوضح نقطة ربما لم تكن ظاهرة بما يكفي في أصل كلامي.

تسألني: من يضمن لنا أن العدو الإسرائيلي لن يعتدي علينا، في لبنان أو العراق أو الجمهورية الإسلامية، حتى لو تركنا أمر المواجهة العسكرية في فلسطين لأهلها وأخذنا جانب السلم؟

والجواب، من جهة الحسابات البشرية، واضح جداً:

لا أحد يستطيع أن يضمن ذلك.

فأنا لا أعتقد أن إسرائيل دولة مسالمة، ولا أن الكف عن محاربتها عسكرياً سيحوّلها إلى جار مأمون الجانب. بل أعتقد أنها كيان غاصب ذو طبيعة عدوانية وأطماع توسعية، وأن وجوده بهذه الصورة يمثل خطراً دائماً على المنطقة.

وهذا ليس توصيفاً خاصاً بي؛ فالمرجع الأعلى سماحة السيد السيستاني (دام ظله)، عندما وقع العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في 13 حزيران 2025، قال إن هذا العدوان يؤكد مرة أخرى «الطبيعة العدوانية والخطيرة لهذا الكيان».

ولكن كون العدو عدوانياً شيء، وأن نعلن نحن أننا في حالة حرب عسكرية دائمة معه شيء آخر.

وأنا أتعمد هنا استعمال عبارة «إعلان الحرب»، لا «بدء الحرب»؛ لأن المشكلة التي أتحدث عنها ليست بالضرورة أننا في كل مرة نطلق الطلقة الأولى، وإنما أننا نصر منذ عقود على إعلان أنفسنا طرفاً في حرب مفتوحة هدفها المعلن إزالة هذا الكيان من الوجود بالقوة العسكرية.

ولست أقصد بـ«إعلان الحرب» هنا معناه القانوني الرسمي الضيق، وإنما أعني الخطاب والموقف السياسي والعسكري الذي يقول للعالم وللخصم: نحن في حالة حرب مستمرة معكم، ومشروعنا العسكري النهائي هو إزالة كيانكم.

وهنا يقع السؤال الذي أراه جديراً بالتأمل:

هل نحن اليوم قادرون فعلاً على خوض هذه الحرب التي نعلنها؟

فالواقع أن الدول العربية والإسلامية تخلت منذ زمن عن الخيار العسكري لإزالة إسرائيل، وانتقلت بدرجات مختلفة إلى المفاوضات، وحل الدولتين، والعودة إلى حدود 1967، والبحث في قضية اللاجئين والقدس وسائر ملفات التسوية.

وفي الوقت نفسه، نحن أنفسنا نعلم أننا لا نستطيع منفردين أن نزيل إسرائيل عسكرياً.

بل إن قيادة المقاومة نفسها أقرت بعدم التكافؤ الهائل في موازين القوة. وقد قال رئيسها صراحة في 28 تشرين الثاني 2025:

«لا يوجد توازي في القوة مع العدو الإسرائيلي لا عسكرياً ولا استخباراتياً».

وعاد وكرر هذا المعنى قبل أيام قليلة في خطاب متلفز سمعته جازماً بأنه في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى العسكرية والتكنلوجية والاستخباراتية بين الطرفين فإنه «يستحيل» أن نهزم هذا العدو عسكرياً.

فإذا كانت الأمة التي كانت فلسطين قضيتها قد تخلت عن خيار الحرب الشاملة، ونحن أنفسنا نقر بأننا لا نمتلك القدرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً وإزالتها، فما معنى أن نبقى نحن، بوصفنا طائفة أو محوراً محدود القدرات قياساً بالقوى التي تقف وراء إسرائيل، مصرين على إعلان حرب نعلم أننا لا نستطيع إنجاز هدفها؟

المشكلة عندئذ أننا قد لا نخوض حرباً حقيقية لإزالة إسرائيل، لأننا لا نمتلك مقوماتها، ولكننا ندفع أثمان إعلانها.

ندفع ثمن أن نقدم أنفسنا للعالم باعتبارنا الطرف الذي يعلن أن هدفه إزالة دولة قائمة من الوجود، بينما يمتلك خصمنا آلة إعلامية وسياسية ودبلوماسية هائلة تستطيع أن تستثمر هذا الخطاب، وتقدمه في كل مرة بوصفه دليلاً على أنه يواجه خطراً وجودياً.

وهذا بالطبع لا يجعل اعتداءاته مشروعة، ولا يحول جرائمه إلى دفاع مشروع عن النفس، ولا يسقط عنا حقيقة أننا ضحايا لاعتداءاته واحتلاله.

ولكنه، في ميزان السياسة والإعلام الدولي، يشوش صورة المعتدي والمعتدى عليه، ويمنحه مادة دعائية جاهزة لتسويق عدوانه، ويعين اللوبي المؤيد له على إيجاد الغطاء السياسي لما يفعله.

وهذه ليست قضية هامشية؛ لأن الحروب الحديثة لا تخاض بالسلاح وحده، وإنما تخاض أيضاً في الإعلام والدبلوماسية والرأي العام والمؤسسات الدولية.

ومن هنا فأنا لا أقول: لنطمئن إلى إسرائيل.

ولا أقول: فلنتخل عن فلسطين.

ولا أقول: لنطبّع معها وننسَ حقيقتها.

بل أقول شيئاً مختلفاً تماماً:

لماذا لا نكف عن إعلان حرب عسكرية لا نملك القدرة على خوضها، مع احتفاظنا الكامل بموقفنا العقائدي والسياسي من هذا الكيان، واستعدادنا الكامل للدفاع عن أنفسنا إذا اعتدى علينا؟

يمكننا أن نبقى على موقفنا من فلسطين، وأن نرفض شرعنة الاحتلال، وأن نحارب التطبيع الذي يؤدي بالتدريج إلى تمييع القضية ومحو حقيقتها من وجدان الأجيال، وأن ندعم حق الشعب الفلسطيني، وأن نواجه المشروع الصهيوني سياسياً وإعلامياً وثقافياً وقانونياً، وأن نبني في الوقت نفسه من القوة ما يردع العدو عن الاعتداء علينا أو يمكّننا من الدفاع عن أنفسنا إذا اعتدى.

ولا تناقض في ذلك أبداً.

بل هذا هو تقريباً ما نجده في خطاب المرجعية العليا نفسها.

فالسيد السيستاني (دام ظله) وصف إسرائيل بأنها ذات «طبيعة عدوانية وخطيرة» وأدان اعتداءها على إيران بأشد العبارات، ولكنه بعد ستة أيام فقط، مع استمرار الحرب، لم يقل إن مقتضى معرفة طبيعة هذا العدو هو استمرار الحرب المفتوحة معه، بل ناشد الجهات الدولية والدول الإسلامية بذل الجهود في سبيل «وقف هذه الحرب الظالمة وإيجاد حل سلمي عادل».

وهذا مهم جداً في نظري:

إدراك عدوانية العدو لا يساوي وجوب البقاء في حالة حرب دائمة معه.

وفي العراق أيضاً، وفي 4 تشرين الثاني 2024، جمع السيد السيستاني في كلام واحد بين وصف ما تمارسه إسرائيل في المنطقة بـ«العدوانية الشرسة»، وبين تأكيد ضرورة «منع التدخلات الخارجية» و«تحكيم سلطة القانون» و«حصر السلاح بيد الدولة».

فلا تناقض بين أن تعرف عدوك جيداً، وأن تستعد له، وأن ترفض التطبيع معه، وبين أن تحرص في الوقت نفسه على ألا تجعل بلدك ساحة حرب دائمة بإرادة فئة منه.

أما إذا اعتدت إسرائيل بالفعل على لبنان أو العراق أو إيران، فالبحث ينتقل إلى موضوع آخر تماماً.

هناك تصبح القضية دفاعاً عن النفس والوطن عند وقوع العدوان، ويكون لكل حادث حكمه بحسب الظروف والقدرة والمصلحة والمفسدة والموازين الشرعية.

ولكن احتمال أن يعتدي عليك عدو في المستقبل لا يعني أن عليك أن تعلن أنك في حرب عسكرية دائمة معه في الحاضر.

وإلا لكان بإمكان كل دولة أن تقول: لا أحد يضمن ألا تهاجمني الدولة الفلانية غداً، ولذلك سأعتبر نفسي اليوم في حالة حرب معها!

بل أسأل في مقابل سؤالك:

إذا كان المطلوب مني، حين أقول لا تعلنوا حرباً لا تستطيعون خوضها، أن أضمن لكم أن إسرائيل لن تعتدي، فمن يطالبنا بإبقاء حالة الحرب معلنة معها هل يضمن لنا أن ذلك سيمنع عدوانها؟

هل يضمن لنا النصر؟

هل يضمن ألا تدمر مدننا؟

هل يضمن ألا يقتل أبناؤنا؟

هل يضمن ألا تحتل أجزاء من أرضنا؟

هل يضمن ألا يكون إعلاننا الدائم للحرب هو نفسه إحدى الذرائع التي يستعملها عدونا لتسويق الاعتداء علينا؟

لا أنا أملك هذا الضمان، ولا هو يملكه.

ولهذا لا تدار مصائر الشعوب بسؤال: من يضمن؟

بل تدار بالموازنة العقلية والعقلائية والشرعية بين المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، والاحتمال الراجح والمرجوح، والثمن المتوقع والهدف الممكن تحقيقه.

ولكن يبقى بعد كل هذا أمر آخر أؤمن به، ولعله هو الأهم في جوابي.

نحن لسنا ماديين ننظر إلى العالم على أنه صراع أرقام وصواريخ وطائرات فقط.

نحن نؤمن بنظام الأسباب والمسببات، ونؤمن بوجوب الإعداد والقوة والحذر وحسن التقدير، ولكننا في النهاية مؤمنون بالله عز وجل.

والله تعالى يقول:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

والقرآن لا يهوّن من مكر الأعداء، بل يقول في موضع آخر:

﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾.

فهم يمكرون، وقد يكون مكرهم عظيماً، ولكن الله لم يقل لنا: ما دام أعداؤكم يمكرون بكم فاستعجلوا مواجهتهم في كل زمان ومكان، وأعلنوا الحرب عليهم ولو لم تملكوا مقوماتها.

بل قال:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.

والصبر هنا من أبرز مصاديقه، في نظري، ألا نستعجل، وألا ننفعل، وألا تدفعنا الحماسة أو الخوف أو الرغبة في رد الفعل إلى تجاوز الميزان العقلي والعقلائي والشرعي.

والتقوى أن نقف حيث أمرنا الله أن نقف.

فإن كانت وظيفتنا القتال قاتلنا.

وإن كانت وظيفتنا الدفاع دافعنا.

وإن كانت وظيفتنا الكف كففنا.

وإن اقتضت وظيفتنا الشرعية المداراة أو التقية أو تجنب استثارة الظالم لم نستنكف عن ذلك لأن بعض الناس سيسميه جبناً أو تخاذلاً.

ولعل هذا يفسر لنا بصورة أوضح ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:

«هلكت المحاضير».

فلما سئل عنهم قال:

«المستعجلون»،

ثم قال:

«كونوا أحلاس بيوتكم، فإن الغبرة على من أثارها، وإنهم لا يريدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل، إلا من تعرض لهم».

وتأمل خصوص قوله:

«إلا من تعرض لهم».

فهذا استثناء بالغ الدلالة.

هناك فرق بين أن يقصدك عدوك بجائحة وأنت قائم بما أوجب الله عليك، فيتكفل الله برعايتك من حيث لا تحتسب، وبين أن تتعرض أنت لهم، وتستدعي المواجهة، وتستجلب الحرب إلى نفسك في أمر لم يثبت أن الله أوجبه عليك.

ثم نحن فوق ذلك نعتقد أن الأرض لا تخلو من حجة لله، وأن لنا إماماً هو حجة الله على خلقه، وإن غاب شخصه عن أبصارنا.

وفي التوقيع المعروف إلى الشيخ المفيد:

«إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء».

فإذا كان السؤال في نهاية المطاف:

من الضامن؟

فأنا لا أقول: أنا الضامن.

أنا لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، فكيف أضمن مصير طائفة أو شعب أو بلد؟

ولكنني أؤمن أن الله لم يطلب منا أن نضمن النتائج.

طلب منا أن نعرف وظيفتنا ونعمل بها.

نأخذ بالأسباب.

نبني القوة.

نستعد للدفاع.

نحسب المصالح والمفاسد.

لا نطمئن إلى عدونا.

لا ننسى فلسطين.

لا نطبّع مع الاحتلال.

ولكن في الوقت نفسه لا نعلن حرباً نعرف أننا لا نستطيع خوضها، ولا نحمل وحدنا عبء معركة تخلت الأمة التي تخصها عن خيارها العسكري، ثم نقدم أبناءنا وبلادنا أثماناً لشعار أكبر من قدرتنا على تحقيقه.

فإذا فعلنا ما علينا، وصبرنا واتقينا، فهناك بعد الأسباب رب الأسباب، وهناك وعده تعالى:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.

وهناك ضمان صادق الآل (عليه السلام): «إنهم لا يريدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل».

وهناك رعاية إمام زماننا (عجل الله فرجه الشريف) لنا.

فالضمان في النهاية ليس ضمان هذا العبد الفقير.

إنما ضمان الله تعالى وأوليائه المعصومين، ورعاية خليفته في أرضه وحجته على عباده لأتباعه المستضعفين.

والمهم قبل أن نسأل: من يضمن لنا ألا يعتدي العدو؟

أن نسأل أنفسنا أولاً:

هل نحن نقف فعلاً في الموضع الذي أمرنا الله أن نقف فيه، أم في الموضع الذي اختاره لنا الحماس والشعار والسياسة؟