في مفارقة «هذا لا يمثّلنا»

خلال الأسابيع الماضية ناقشتُ عددًا من المقولات الفكرية والعقدية والفقهية الصادرة عن شخصيات تنتمي إلى مستويات مختلفة من النهج الذي نشأ مع الثورة الإسلامية في إيران، وامتد تأثيره خارج حدودها، ولا سيما إلى البيئة الشيعية في لبنان.

ولم أدّعِ أن كل كلمة يقولها شخص منتسب إلى هذا النهج تصبح بيانًا رسميًا ملزمًا للجميع.

لكن الجواب الذي يتكرر كلما نوقش واحد من هذه النماذج هو:

«هذا لا يمثلنا».

حتى أصبح من المشروع أن نسأل:

إذا كان هؤلاء الذين ناقشنا كلماتهم جميعًا لا يمثلون هذا النهج، فمن الذي يمثله؟

المشكلة ليست في «رسمية» كل عبارة منفردة، وإنما في الدلالة التراكمية لخطاب يصدر من مستويات متعددة داخل منظومة واحدة، ويتكرر عبر عقود، ويمس مسائل الإمامة والولاية والعصمة ومقام الإمام الحجة (عليه السلام) والنيابة عنه.

وحين تتكرر هذه المضامين، لا يكفي أن نفصل كل متكلم عن الآخر ثم نقول:

«هذا لا يمثلنا».

بل يصبح السؤال:

من صنع هذه الثقافة؟ ومن جعل هذه التصورات جزءًا من الوعي الديني والسياسي في البيئة الحاضنة لهذا النهج؟

مشروع أعلن منذ البداية أنه عابر للحدود

فكرة «تصدير الثورة» لم تكن تهمة أطلقها خصوم الثورة الإسلامية، بل كانت جزءًا معلنًا من خطاب السيد روح الله الخميني.

وقد أوضح أن المقصود ليس تصديرها «بالحراب»، وإنما نشر أفكارها ومفاهيمها وثقافتها بالتبليغ والكتابة والعمل الثقافي، ودعا السفارات والطلاب والمراكز الثقافية إلى القيام بهذا الدور.

وكان لبنان من أبرز ساحات هذا الامتداد، من خلال حزب أعلن انتسابه الأيديولوجي إلى ولاية الفقيه، وامتد حضوره إلى السياسة والإعلام والتربية والثقافة والتبليغ والمؤسسات الاجتماعية.

ومن هنا يصبح السؤال عن مصدر الأفكار التي تشكل وعي هذه البيئة سؤالًا مشروعًا تمامًا.

وسأفصل بين الساحة الإيرانية، بوصفها منشأ عدد من هذه المقولات، والساحة اللبنانية، بوصفها أبرز ميادين انتقالها وإعادة إنتاجها.

أولًا: الساحة الإيرانية

بدأنا من رأس الهرم: السيد روح الله الخميني.

ناقشنا قوله سنة 1981 إن صيانة الجمهورية الإسلامية «أهم من الحفاظ على حياة شخص واحد ولو كان إمام العصر»، معللًا بأن إمام العصر نفسه يضحي بنفسه لأجل الإسلام.

ولم تبق هذه المقولة في كتاب، بل أعيد شرحها وترديدها حتى تحولت في البيئة اللبنانية إلى خطاب جماهيري، بل وإلى شعارات علقت سنوات في بعض مناطق الضاحية.

فالسؤال لم يعد فقط: من قالها أول مرة؟

بل:

من الذي نقلها من كلام المؤسس إلى ثقافة متداولة تمس العلاقة بين النظام السياسي ومقام الإمام الحجة (عليه السلام)؟

ثم ناقشنا السيد علي الخامنئي في قوله إن القوى الكبرى لا تستطيع أن تفرض على الجمهورية الإسلامية «صلح الحسن»، وإن اشتد الضغط فسيكون ما يقع كربلاء لا الصلح.

وكان اعتراضنا على القطع المسبق بأن تبدل الظروف لن يضعنا يومًا أمام موقف يشبه موقف الإمام الحسن (عليه السلام).

فإذا كنا نؤمن بأن اختلاف مواقف الأئمة كان تابعًا لاختلاف الظروف، فمن أين لنا أن نضمن أن التاريخ لن يفرض يومًا موقفًا حسنيًا بدل الموقف الحسيني؟

ثم ناقشنا السيد أحمد علم الهدى، إمام جمعة مشهد وممثل الولي الفقيه في خراسان الرضوية، في كلامه عن «واقع العصمة» في القرارات المصيرية للولي الفقيه.

والإشكال هنا واضح:

إذا كان الولي غير معصوم، فما معنى ضمان سلامة قراراته المصيرية من الخطأ؟

وإذا كانت هذه القرارات محمية من الخطأ، فما الذي بقي، في هذه الدائرة، من الفارق العملي بين المعصوم وغير المعصوم؟

كما ناقشنا الشيخ أسد قصير، المعروف في هذه البيئة بوصفه من وكلاء السيد الخامنئي، في الطريقة التي أعاد بها صياغة مفهومَي التولي والتبري، حتى كاد يجعل المعيار فيهما هو الموقف السياسي والعسكري من العدو الإسرائيلي.

وبحسب هذا البناء، يصبح من يوافق هذا الخط في خياره السياسي والعسكري «حسينيًا»، حتى لو كان منتميًا إلى بيئة لا تتولى أهل البيت (عليهم السلام)، بينما يصبح من يخالف هذا الخيار «يزيديًا»، وإن كان مواليًا لأهل البيت (عليهم السلام) متبرئًا من أعدائهم، لا لأنه يؤيد الاحتلال الصهيوني ـ والعياذ بالله ـ بل لأنه يرى أن مقتضيات المرحلة تفرض طريقًا آخر في المواجهة والتصدي وتقدير المصالح والمفاسد.

وكان اعتراضنا أن التولي والتبري مفهومان عقديان لهما موضوعهما ومعيارهما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يصح إعادة تعريفهما بحيث يصبح ميزان الولاء والبراءة هو التطابق مع خيار سياسي أو عسكري معاصر.

فهنا لا تعود السياسة تستند إلى العقيدة، بل تبدأ العقيدة نفسها بالتشكل وفق الخريطة السياسية.

هذه نماذج من الساحة الإيرانية.

وهي لا تستوعب كل ما قيل، لكنها تكفي لإثبات أن هذه الأفكار لم تبدأ من مبلغ مغمور في أطراف البيئة اللبنانية كما يحلو للبعض ان يصور ذلك.

ثانيًا: الساحة اللبنانية

حين انتقلنا إلى لبنان، بدأنا أيضًا من رأس الهرم الثقافي.

ناقشنا الشيخ أكرم بركات، المعاون الثقافي لرئيس المجلس التنفيذي، في طرحه «بداهة ولاية الفقيه».

وكان سؤالنا:

كيف تصبح قضية بهذا الحجم، وقع الخلاف بين الفقهاء في أصلها وأدلتها وسعتها وحدودها، «بديهية» لمن عرف الإسلام عقيدة وأحكامًا؟

ولو كانت بهذه البداهة، فكيف نفسر تاريخًا فقهيًا طويلًا من البحث والخلاف فيها؟

ثم ناقشنا الشيخ حسين زين الدين، وهو من العاملين في الفضاء الثقافي والتبليغي نفسه.

وقد جعل في المقطع الذي ناقشناه الإمام المهدي (عليه السلام) «إمام الاعتقاد»، بينما جعل السيد الخامنئي الإمام الذي يقتدى به فعليًا.

وهنا لم نعد أمام خلاف في حدود صلاحيات الفقيه، بل أمام إعادة ترتيب لمفهوم الإمامة:

المعصوم يصبح إمام الاعتقاد،

والفقيه يصبح إمام الاقتداء الفعلي.

ثم قيل:

«هذا لا يمثلنا».

وقيل إنه ربما عوتب أو نبه أو نقل من موقعه.

لكن الفكرة قيلت علنًا، ونشرت علنًا، ووصلت إلى الجمهور علنًا.

فما الذي يصلحه عتاب سري لا يسمعه أحد؟

ثم جاء السيد كميل باقر زادة، المستشار الثقافي الإيراني السابق في لبنان، فأعاد عبر قناة المنار طرح نظرية تقول إن مجلس خبراء القيادة لا يختار الولي الفقيه، بل «يكشف» عن الشخص الذي اختاره الإمام الحجة (عليه السلام) نائبًا له.

وهذه النظرية ليست جديدة؛ فقد طرحت في إيران قبل أكثر من عشرين سنة، ونوقشت هناك، ورفضها بعض أعضاء مجلس الخبراء.

وهي نظرية شاذة وخطيرة؛ لأنها تفتح شبهة تمس ما استقر عليه المذهب من انقطاع السفارة والنيابة الخاصة بعد ابتداء الغيبة الكبرى.

فإذا كان الإمام الحجة (عليه السلام) يختار شخصًا بعينه نائبًا عنه، ثم توجد جهة بشرية تكشف لنا عن هذا الاختيار، فكيف عرفت إرادة الإمام؟

وبأي طريق شرعي؟

وكيف تتحول المداولات والترشيحات والتصويت إلى «كشف» عن تعيين شخصي سابق من المعصوم؟

لكن السؤال الأهم:

لماذا أعيد إحياء هذه الفكرة أصلًا؟

إذا كانت فكرة شاذة نوقشت وردت قبل أكثر من عشرين سنة في إيران، فما الذي يدعو قناة المنار إلى إعادة تقديمها اليوم لجمهور واسع على لسان مستشار ثقافي إيراني سابق في لبنان؟

وهنا تكمن الخطورة.

فهذا النوع من المقولات يداعب العاطفة الدينية بقوة:

الإمام اختار الولي الفقيه،

والخبراء كشفوه،

وأنت باتباعه إنما تتبع اختيار إمام زمانك.

ثم تبدأ الفكرة رأيًا شاذًا، وتظهر على شاشة، وتدخل في دورة ومحاضرة ومنبر، ثم تتحول بعد سنوات إلى ثقافة عامة لا يكاد أحد يسأل عن دليلها.

وقد رأينا شيئًا قريبًا من ذلك في مقولة «حفظ النظام» وعلاقتها بمقام الإمام الحجة (عليه السلام).

هنا أصل المشكلة

المسألة إذن ليست:

هل كل واحد من هؤلاء ناطق رسمي؟

ولا أحتاج أصلًا إلى إثبات أن كل كلمة قالها كل واحد منهم وثيقة حزبية أو حكومية.

المشكلة أن لدينا أفكارًا:

نشأ بعضها عند رأس الهرم في إيران،

ثم دافع عنها مسؤولون وشخصيات دينية وثقافية،

ثم انتقلت إلى لبنان،

ثم أعيد إنتاجها في الجهاز الثقافي والمنبر والإعلام،

ثم حين نناقش كل حلقة من حلقات هذه السلسلة يقال لنا:

«هذا لا يمثلنا».

ولكن هؤلاء ليسوا أشخاصًا التقطناهم من الشارع.

نحن نتحدث عن:

المؤسس،

ومن خلفه في القيادة،

وممثل الولي الفقيه،

ووكيله،

والمسؤول الثقافي المركزي،

والعاملين في منظومته التبليغية،

والمستشار الثقافي للدولة،

ومنصة إعلامية مركزية في البيئة نفسها.

ومن العسير عقلائيًا تفكيك هؤلاء جميعًا إلى أفراد لا يمثل أحد منهم شيئًا من المشروع كلما ظهر إشكال في كلامه.

ومشكلتي ليست في السياسة، ولا في أن يمارس الفقيه السياسة، ولا حتى في الإيمان بولاية الفقيه العامة أو المطلقة.

المشكلة تبدأ حين تحتاج السياسة إلى إعادة تشكيل المفاهيم العقدية لتمنح القرار السياسي حصانة لا يملكها في نفسه.

حين يصبح الولي مختارًا شخصيًا من الإمام الحجة (عليه السلام)،

ومجلس الخبراء كاشفًا عن اختياره،

وقرارات الولي المصيرية ذات «واقع عصمة»،

والإمام المهدي (عليه السلام) إمام اعتقاد والفقيه إمام اقتداء،

وحفظ الجمهورية مقدمًا حتى على حفظ نفس إمام العصر،

ويعاد تعريف التولي والتبري بحيث يصبح ميزانهما الموقف من خيار سياسي أو عسكري معاصر.

هنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل ما زالت السياسة تستمد بعض قيمها من الدين، أم بدأنا نعيد تشكيل بعض مفاهيم الدين بما يلائم حاجات السياسة؟

فالقرار السياسي البشري ينبغي أن يبقى بشريًا:

يصيب ويخطئ،

يناقش ويراجع،

ولا يحتاج لكي نحترمه إلى أن نجعل وراءه اختيارًا غيبيًا أو عصمة أو إعادة تعريف لمقام الإمامة أو لمفاهيم التولي والتبري.

وفي الختام: من يمثّلكم؟

أعود إلى الإخوة الذين يقابلون كل نموذج نناقشه بعبارة:

«هذا لا يمثلنا».

حسنًا.

أنا مستعد، جدلًا، أن أقبل منكم أن:

المؤسس لا يمثل،

ومن خلفه في القيادة لا يمثل،

وممثل الولي الفقيه لا يمثل،

ووكيله لا يمثل،

والمسؤول الثقافي المركزي لا يمثل،

والعاملون في جهازه الثقافي لا يمثلون،

والمستشار الثقافي الإيراني في لبنان لا يمثل،

وما يعرض على قناة المنار لا يمثل.

مع أن قبول هذا كله يحتاج مني إلى شيء غير قليل من التنازل عن الطريقة العقلائية المعتادة في معرفة أفكار المدارس والتيارات.

لكن لا بأس.

دلونا إذن على من يمثلكم.

أعطونا شخصًا.

أو كتابًا.

أو وثيقة.

أو بيانًا.

وقولوا لنا:

هذا يمثلنا.

هذا موقفنا من مقام الإمام الحجة (عليه السلام).

وهذه حقيقة ولاية الفقيه.

وهذه حدود النيابة.

وهذا جوابنا عن العصمة.

وهذا موقفنا من دعوى أن الإمام يختار الولي الفقيه شخصيًا.

وسأجعل ذلك الشخص أو النص وحده موضوع البحث المقبل.

لكن أخشى ما أخشاه أن تدلونا أخيرًا على من يمثل هذا النهج، فننقل كلامه ونناقشه...

ثم يخرج علينا من يقول:

«هذا أيضًا لا يمثلنا»!

فنعود إلى نقطة البداية:

نبحث عمّن يمثل هذا النهج...

وكلما وجدناه قيل لنا من جديد:

«هذا لا يمثلنا».