اعترض بعضهم عليّ بأنني أكثرت في البودكاست الأخير من استعمال كلمة «أنا»، ومن قول: مقالاتي، ومنشوراتي، ومحاضراتي، وما أراه، وما أطرحه...

وفي الحقيقة لا أدري هل أكثرت فعلًا من ذلك أم لا؛ فلم أكن أحصي عدد المرات التي استعملت فيها ياء المتكلم أو قلت فيها «أنا»، ولا أدري هل المستشكل قد أحصاها عليّ واحدةً واحدة، أم أن الأمر مجرد انطباع تولّد لديه أثناء الاستماع!

لكنني حاولت أن أفهم وجه الإشكال.

فطبيعة اللقاء كانت في جانب كبير منها قائمة على التعريف ببعض طروحاتي وتوجهاتي الفكرية، وعلى مناقشة ما كتبته ونشرته في الآونة الأخيرة، والتعرف إلى شخصيتي وفكري، ولا سيما أنني لم أكن قبل ذلك حاضرًا في الإعلام بوصفـي وجهًا معروفًا.

فإذا سألني المحاور عن رأي كتبته في مقال، ماذا كان ينبغي أن أقول؟

هل أقول: «كتب بعضهم في أحد المقالات...» والمقصود أنا؟

وإذا أراد أن يناقشني في منشور لي، فهل أقول: «ورد في منشور مجهول المصدر...»؟

وإذا سألني: ما الذي تعتمد عليه في هذا الرأي؟ فهل أجيب: «هو يعتمد على...»؟

وإذا قال: على ماذا تراهن في هذا الطرح؟ فهل ينبغي أن أقول: «هو في الحقيقة يراهن...» حتى لا أتورط في لفظ «أنا»؟!

يبدو أن المطلوب ـ حتى نسلم من آفة الأنا ـ أن نحذف ضمير المتكلم من اللغة حين نتحدث عن شيء صدر منا!

على أن القضية، فيما أرى، أعمق بكثير من لفظة تجري على اللسان.

فقد لا تسمع من إنسان كلمة «أنا» إلا نادرًا، وقد يتفنن في الحديث بصيغة الجمع، أو المبني للمجهول، أو بألفاظ التواضع والانكسار، بينما تكون «الأنا» متربعة في أعماق نفسه؛ هي التي تدير رضاه وغضبه، وحبه وبغضه، وقربه وبعده، وكلامه وسكوته. لا يقول «أنا» بلسانه، ولكنه لا يرى في هذا العالم إلا نفسه.

وقد يقول آخر بعفوية: أنا قلت، وأنا كتبت، وهذا رأيي، وهذه محاضرتي؛ لأن المقام مقام نسبة الكلام إلى قائله، ولا يرى في ذلك أكثر من استعمال اللغة في موضعها الطبيعي. ثم إذا خلا بنفسه فيما بينه وبين خالقه لم ير لهذه الـ«أنا» قيمة في ذاتها، ولم ير لنفسه وزنًا إلا بمقدار ما تطيع الله وتؤدي ما عليها من تكليف.

ولست أدعي لنفسي أنني من هذا القسم الثاني، ولا أنني بلغت من مجاهدة النفس مبلغًا وطئت معه «أناي» بنعلي أو أمَتُّ سلطانها في داخلي؛ فهذه منزلة أرجوها وأسعى إليها، وأخشى على نفسي من ضدها كما يخشاه كل من يعرف شيئًا من خفايا النفس ومداخلها. وإنما أردت التفريق بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: بين حضور لفظ «أنا» في الكلام، وبين حضور «الأنا» حاكمةً في القلب والسلوك.

فالمشكلة ليست في ياء المتكلم، بل في المتكلم.

والمعيار ليس كم مرة نطق الإنسان بكلمة «أنا»، بل كم مرة كانت «الأنا» هي التي دفعته إلى الكلام، وإلى السكوت، وإلى الخصومة، وإلى الرضا، وإلى الغضب، وإلى طلب الموقع والثناء والانتصار للنفس.

كم من إنسان حذف «أنا» من لسانه، ولم يستطع أن يحذفها من قلبه.

وكم من إنسان جرت «أنا» على لسانه بعفوية، وقد وطئ أناه في داخله بنعله، وحقر نفسه فيما بينه وبين ربه، ولم ير لها شأنًا إلا في طاعة الله والقيام بما أوجب عليه.

فليس التواضع أن نفتش عن حيلة لغوية كي لا نقول: «أنا».

التواضع أن يعرف الإنسان قدر هذه الـ«أنا»، وألا يجعلها معبودًا خفيًا يدور حوله كل شيء.

فإن كان المقام يقتضي أن تقول: أنا كتبت، وأنا قلت، وهذا رأيي، فقلها كما هي.

ولكن احذر من «أنا» أخرى لا يسمعها أحد؛ تلك التي تستقر في القلب، وتريد أن يكون كل شيء لها، وحولها، ومن أجلها.