جاء في الجواب عن مقالنا السابق عنوان لافت:

«كربلاء نهج لا عقيدة فحسب».

ولا إشكال عندنا في أصل هذه العبارة إذا كان المراد أن العقيدة لا تنفصل عن العمل، وأن الانتساب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) لا ينبغي أن يبقى مجرد عنوان لا يترك أثراً في سلوك الإنسان ومواقفه.

ولكن المشكلة تبدأ حين نريد أن نحدد: ما المقصود بهذا «النهج»؟ وما علاقته بالعقيدة؟ وهل يكفي أن يوافق الإنسان الإمام الحسين (عليه السلام) في موقف عملي جزئي حتى يصح وصفه بأنه «حسيني كربلائي المنهج»، وإن لم يكن مؤمناً بالأصول التي آمن بها الحسين نفسه؟

«لا عقيدة فحسب» أم «لا عقيدة أصلاً»؟

ظاهر عنوان المقال أنه لا ينفي البعد العقدي عن كربلاء، وإنما ينفي حصرها فيه؛ أي إن كربلاء ـ بحسب العنوان ـ عقيدة ونهج، إيمان وعمل.

ولكن مضمون المقال لا يبقى وفياً لهذا العنوان؛ لأن العقيدة تكاد تختفي عملياً عند تحديد من يستحق وصف «الحسيني الكربلائي».

فالمعيار المطروح ينحصر تقريباً في الموقف العملي: فمن وقف مع المظلوم ضد الظالم، وقاوم الاستكبار، وضحى في هذا الطريق، أمكن وصفه بأنه «حسيني كربلائي المنهج»، حتى لو لم يكن إمامياً، بل حتى لو لم يكن مسلماً، كما أريد إثباته بمثال «المسيحي» في كربلاء.

وهنا نسأل:

إذا كانت كربلاء عقيدة ونهجاً، فأين موقع العقيدة في هذا التصنيف؟

فإذا صح أن يكون الإنسان «حسينياً كربلائياً» مع عدم إيمانه بالأصول التي آمن بها الحسين، بل مع عدم إيمانه بالإسلام نفسه، فقد أصبحت كربلاء ـ بحسب هذا المعيار ـ نهجاً فحسب، ولم يعد للعقيدة مدخل حقيقي في صدق الوصف.

وهذا غير ما يعدنا به عنوان المقال.

المشتركات الأخلاقية ليست معياراً للانتماء

ثمة فرق أساسي بين القيم الإنسانية والأخلاقية العامة وبين المناهج الفكرية والدينية الخاصة.

فنصرة المظلوم، ورفض العدوان، والشجاعة، والإيثار، والرحمة بالضعيف، قيم يدرك البشر حسنها في الجملة، وقد نجد نماذج منها عند أصحاب أديان وفلسفات متباينة، بل وعند من لا يؤمن بدين أصلاً.

فقد يدافع مسيحي عن مسلم مظلوم، أو يضحي ملحد في سبيل شعب مضطهد، وهذه مواقف أخلاقية شريفة، لكنها لا تجعل الأول شيعياً ولا الثاني مسلماً.

وكذلك ليس كل من قاوم ظالماً حسينياً.

فالانتماء إلى مدرسة فكرية أو دينية لا يتحدد بالمشتركات الأخلاقية التي قد يجتمع عليها أصحاب العقائد المتناقضة، بل بالأصول والمبادئ والمرجعية التي تنتظم مواقف أتباعها.

فليس كل من مارس التجارة رأسمالياً، ولا كل من أعان فقيراً اشتراكياً، ولا كل من دعا إلى المساواة ماركسياً؛ لأن الفعل الخارجي الواحد قد يصدر عن مبانٍ فكرية مختلفة بل متناقضة.

ومن هنا ينبغي التفريق بين قولنا:

وافق الحسين في موقف.

وبين قولنا:

انتمى إلى نهج الحسين واتّبعه.

فالأول قد يتحقق بمجرد الالتقاء في فعل، أما الثاني فيتوقف على معرفة ما هو هذا النهج وما أصوله والمرجعية التي تنتظم مواقفه.

والحسين (عليه السلام) لم يكن رفضه لبيعة يزيد نابعاً من قيمة إنسانية مجردة بعنوان «رفض الذل».

كان مسلماً مؤمناً بالله ورسوله وكتابه، بل كان ـ بحسب عقيدتنا الإمامية ـ إماماً معصوماً وحجة لله، تدور مواقفه مدار التكليف الإلهي.

فكانت مقاومته عبادة لله، كما كان صبره عبادة لله، وكان وفاؤه بالعهد عبادة لله كما كان رفضه لبيعة يزيد عبادة لله، وكان حفظه لنفسه في ظرف عبادة لله كما كان بذلها في ظرف آخر عبادة لله.

فإذا اقتطعنا من سيرته قيمة أخلاقية مشتركة ـ كرفض الظلم أو نصرة المظلوم ـ وجعلناها تمام الحسينية، لم نكن قد عرّفنا «الحسينية»، بل أخذنا المروءة الإنسانية العامة وأطلقنا عليها اسماً حسينياً.

تغيير محل النزاع لا يجيب عن الإشكال

إن الجواب لم يناقش أصل الإشكال الذي طرحناه في مقالنا السابق.

لم يكن بحثنا فيمن يصح أن نطلق عليه وصف «الحسيني»، ولا في إمكان أن يقف غير الإمامي موقفاً يشبه موقف الحسين، ولا قلنا إن مجرد الانتساب العقدي إلى التشيع يجعل جميع أفعال صاحبه حسينية.

وإنما كان كلامنا ناظراً إلى دعوى محددة:

«لا يمكن أن يكون الإنسان حسينياً ويقبل بالذل».

فسألنا:

ما المقصود بالذل؟

إن كان المقصود ذل معصية الله والخروج عن طاعته، فلا نزاع بيننا.

أما إذا كان المقصود ما يراه الناس ذلاً بحسب موازين السياسة والحرب والمجتمع؛ من غلبة الخصم، أو فقدان السلطة، أو الصلح معه، أو الهدنة، أو الصبر على ظلمه، أو الانسحاب من مواجهته، أو احتمال بعض القهر والأذى، فهنا وقع النزاع.

وقلنا: إن سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، بل سيرة الإمام الحسين نفسه، تمنع من تحويل هذا المعنى إلى قاعدة عامة.

ولهذا لم نستدل بشخص يؤمن بالحسين ثم قبل شيئاً مما يراه الناس ذلاً، بل استدللنا بالحسين نفسه.

فالحسين (عليه السلام) التزم الصلح الذي عقده الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية، وبقي بعد استشهاد أخيه سنوات في ظل سلطانه من غير أن يخرج عليه، وردّ من دعاه إلى النهوض ما دام العهد قائماً.

وروي عنه أنه قال:

«إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت...».

ثم كان هو نفسه، في ظرف آخر، القائل:

«هيهات منا الذلة».

فكيف نجمع بين هذه المواقف؟

الجواب أن الجامع ليس صورة الفعل الخارجي، ولا القتال بما هو قتال، ولا رفض الصلح، ولا رفض كل ما يراه الناس ذلاً.

وإنما الجامع هو:

طاعة الله والعمل بالتكليف الإلهي.

فالحسين كان حسينياً حين التزم عهد أخيه كما كان حسينياً حين رفض بيعة يزيد، وحين صبر كما حين قاتل، وحين حفظ نفسه كما حين بذلها.

فإذا تغير التكليف تغير الموقف من غير أن يتغير المنهج؛ لأن المنهج هو العبودية لله، لا اتخاذ موقف عملي واحد وتحويله إلى قاعدة ثابتة.

أما الانتقال إلى السؤال عن إمكان أن يكون غير الإمامي «حسينياً كربلائياً في المنهج» إذا وافق الحسين في بعض مواقفه، فهو بحث آخر.

فلنسلم جدلاً بذلك كله؛ فهل يثبت أن الحسيني لا يجوز له أن يصالح عدوه أو يهادنه أو يصبر على قهره؟ وهل يثبت أن كل هزيمة سياسية أو عسكرية «ذل» منافٍ للحسينية؟

لا شيء من ذلك يثبت.

ولهذا يبقى السؤال كما هو:

أيُّ ذل لا يقبله الحسيني؟

النهج يُعرف من مجموع السيرة لا من موقف واحد

إن منهج الإنسان لا يستخرج من موقف واحد، وإنما من مجموع سيرته ومن الأصل الذي تنتظم تحته مواقفه المختلفة.

فقد يقاتل في ظرف ويصالح في آخر، ويقدم تارة ويحجم أخرى، من غير أن يعني اختلاف الأفعال اختلاف المنهج، ما دام وراءها أصل واحد يحدد الموقف المناسب لكل ظرف.

وهذا واضح في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فهل «النهج المحمدي» هو بدر وحدها؟

أم صلح الحديبية أيضاً؟

وهل هو مواجهة قريش في بعض المراحل، أم الصبر على أذاهم في مكة سنوات؟

هذه الأفعال المختلفة جميعاً أجزاء من منهج واحد، يجمعها امتثال أمر الله والعمل بالتكليف المناسب لكل ظرف.

والأمر نفسه في الإمام الحسين (عليه السلام).

فالحسين الذي قاتل يوم عاشوراء هو نفسه الذي التزم بصلح أخيه الإمام الحسن، وبقي بعد شهادته تحت سلطان معاوية ولم يخرج عليه، ورد دعوات النهوض ما دام العهد قائماً، ثم رفض بيعة يزيد وانتهى به الأمر إلى كربلاء.

فأي هذه المواقف هو «النهج الحسيني»؟

كلها.

لأن النهج ليس صورة الفعل الخارجي، وإنما المبدأ الذي يفسر اختلاف الأفعال ويجمعها في منظومة واحدة.

ولهذا فإن السؤال ليس: هل قاوم الحسين الظلم؟

بل: لماذا قاومه بهذه الكيفية في هذا الظرف، ولماذا لم يفعل الشيء نفسه في ظرف آخر؟

وهذا لا تجيب عنه كلمة «المقاومة»، وإنما تجيب عنه العقيدة التي كان الحسين يتحرك في إطارها، وفي مقدمتها عبوديته لله وامتثاله للتكليف الإلهي.

فكما لا يجوز أن نأخذ بدر وحدها ونقول: هذا هو الإسلام، ثم نجعل صلح الحديبية محتاجاً إلى الاعتذار؛ لا يجوز أن نأخذ عاشوراء وحدها ونصنع منها تعريفاً للحسينية، ثم نفسر بقية حياة الحسين على ضوء تعريف استخرجناه من يوم واحد منها.

نقرأ الحسين كله أولاً، ثم نستخرج الجامع الذي يفسر مواقفه المختلفة.

وحين نفعل ذلك نجد أن الجامع ليس القتال، ولا الثورة، ولا الصلح، ولا الصبر، ولا الهجرة.

الجامع هو:

أن يكون الإنسان عبداً لله، يفعل ما يريده الله منه في كل ظرف.

وعندئذ نفهم كربلاء في موضعها الصحيح: واحدة من أعظم تجليات هذا الأصل.

وعلى هذا الأساس يمكن النظر في الأمثلة التاريخية التي استدل بها صاحب المقال.

المثال الأول: زهير بن القين... عثماني بقي عثمانياً أم رجل غيّر موقعه؟

استشهد صاحب الدعوى بوجود «عثماني الهوى» في صف الإمام الحسين (عليه السلام)، ليقرر أن الإنسان قد يكون «حسينياً كربلائياً في المنهج» من دون أن يكون إمامياً في العقيدة.

والظاهر أن المقصود هو زهير بن القين البجلي (رضوان الله عليه).

ولكن أقصى ما يمكن إثباته من بعض المصادر هو أن زهيراً كان عثمانياً قبل التحاقه بالحسين، لا أنه بقي عثمانياً بعد لقائه به، فضلاً عن أن يكون قد استشهد وهو مصرّ على ذلك الانتماء.

فالبلاذري يصفه بأنه «كان عثمانياً»، ونقل هذا الوصف غيره أيضاً، وإن كان أصل ثبوت عثمانيته محل نقاش.

ولنسلم بأنه كان أولاً عثمانياً.

فماذا حدث بعد لقائه بالحسين؟

يقول السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة:

«كان زهير أولاً عثمانياً... فانتقل علوياً وفاز بالشهادة».

وهذه العبارة تصور القصة تحولاً من موقع إلى آخر، لا بقاءً على عثمانيته مع اكتساب وصف جديد.

بل إن الخبر الذي يرويه الطبري عن أبي مخنف أبلغ من ذلك.

فحين خاطب زهير القوم قال له عزرة بن قيس:

«ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً».

فأجابه زهير:

«أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم؟»

ثم بيّن أن الطريق جمعه بالحسين، فلما رآه وتذكر مكانه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورأى ما يريده القوم به، قرر أن ينصره ويكون في حزبه.

فصاحب الدعوى يريد أن يجعل زهيراً شاهداً على إمكان بقاء الإنسان خارج الانتماء إلى أهل البيت مع كونه حسينياً في المنهج، بينما زهير نفسه ـ بحسب الرواية ـ يستدل بموقفه الجديد على أنه صار «منهم».

كما أن الروايات تصور لقاءه بالحسين بوصفه انعطافة في حياته؛ فقد كان يتحاشى النزول معه، ثم دعاه الحسين، فخرج من عنده مستبشراً، ونقل رحله إلى معسكره، ولازمه حتى استشهد بين يديه.

ولهذا كانت عبارة السيد محسن الأمين دقيقة:

«فانتقل علوياً».

فنحن لسنا ـ على فرض صحة عثمانيته الأولى ـ أمام عثماني بقي عثمانياً ولكنه صار حسينياً في المنهج، بل أمام رجل انتقل من موقعه السابق إلى نصرة أهل البيت والانتماء إليهم.

المثال الثاني: «المسيحي» في كربلاء... الدليل على نصرانيته هو نفسه الدليل على إسلامه

وأما المثال الثاني، وهو وجود «مسيحي» في صف الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم البناء على أن علماءنا حكموا له بالشهادة من غير أن يثبت إسلامه، فهو أوضح إشكالاً.

إذ لم يسم هذا المسيحي، ولم يذكر المصدر الذي يثبت بقاءه على المسيحية حتى استشهاده.

فإن كان المقصود وهباً الذي اشتهرت قصته في كتب المقاتل، فإن النص الذي يثبت نصرانيته هو نفسه الذي ينص صراحة على إسلامه وإسلام أمه على يد الإمام الحسين (عليه السلام).

فالشيخ الصدوق، المتوفى سنة 381هـ، روى في الأمالي:

«وبرز من بعده وهب بن وهب، وكان نصرانياً، أسلم على يدي الحسين عليه السلام هو وأمه...».

ثم يذكر خبر قتاله وقتله، وقول الحسين (عليه السلام) لأمه:

«إنك وابنك مع جدي محمد صلى الله عليه وآله في الجنة».

فالنص لم يقل إنه كان نصرانياً واستشهد نصرانياً، وإنما قال:

كان نصرانياً فأسلم.

فإذا كانت هذه الرواية هي الدليل على نصرانيته، فكيف نأخذ منها:

«وكان نصرانياً»

ثم نترك ما جاء متصلاً به:

«أسلم على يدي الحسين هو وأمه»؟

إما أن نعتمد الرواية فتثبت الأمرين معاً، وإما ألا نعتمدها فيسقط أصل الاستدلال به بوصفه «المسيحي الذي استشهد مع الحسين».

وقد نقل الشيخ عباس القمي أيضاً في نفس المهموم مضمون القصة، وأن وهباً كان نصرانياً فأسلم هو وأمه على يد الحسين (عليه السلام).

فقصة وهب ـ على فرض اعتمادها ـ لا تصلح شاهداً على المدعى، بل هي أقرب إلى نقيضه.

ومع ذلك، فلنفرض جدلاً أننا وجدنا رجلاً غير مسلم وقف إلى جانب الإمام الحسين يوم عاشوراء، ودافع عنه، ومات على دينه.

هل يثبت بذلك أنه صار «حسينياً كربلائياً في المنهج» بالمعنى الفكري؟

لا.

أقصى ما يثبته أن إنساناً رأى مظلوماً عظيماً وجماعة تريد قتله وقتل أهل بيته، فحملته مروءته أو ضميره أو شجاعته على الدفاع عنه.

وهذا موقف نبيل، لكنه من جنس المشتركات الأخلاقية المتقدمة.

فكما يستطيع المسلم أن يدافع عن مسيحي مظلوم من غير أن يصبح مسيحياً، يستطيع المسيحي أن يدافع عن مسلم مظلوم من غير أن يصبح تابعاً لمنظومته الدينية.

وعظمة الحسين وما وقع عليه من ظلم يمكن أن تخاطبا الضمير الإنساني عند المسلم وغير المسلم، وهذا يثبت عالمية المظلومية الحسينية، لكنه لا يثبت أن كل من تحرك ضميره لنصرة الحسين صار تابعاً لـ«النهج الحسيني» بمعناه العقدي والفكري.

فقد ينصره لأنه مظلوم، أو لأنه ابن بنت رسول الله، أو لأنه يراه قائداً صالحاً في مقابل سلطة ظالمة، أو لأنه يعتقد أنه إمام معصوم مفترض الطاعة.

الفعل الخارجي قد يتشابه، لكن المباني التي أنتجته ليست واحدة.

فالموافقة في الموقف ليست هي الانتماء إلى المنهج.

المثال الثالث: عمر بن سعد... أين الدليل على أنه كان «إمامي العقيدة»؟

وأما المثال الثالث فهو أغرب الأمثلة؛ إذ قيل:

«كان في جيش يزيد من كان إماميَّ العقيدة، كعمر بن سعد».

وهنا ينبغي التوقف عند أصل الدعوى:

ما الدليل على أن عمر بن سعد كان إماميَّ العقيدة؟

فإذا كان المراد أنه كان يعرف فضل أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)، أو يعلم أن قتل الحسين جريمة عظيمة، فهذا لا يجعله إمامياً بالمعنى العقدي.

فكثير من المسلمين الذين لم يقولوا بإمامة أمير المؤمنين بالنص، ولا بعصمته، ولا بكون الإمامة منصباً إلهياً، كانوا يعرفون فضل أهل البيت ويعظمون الحسين ويرون قتله جريمة.

أما «إمامي العقيدة» فهو ـ في محل الكلام ـ من يعتقد أن علياً والحسن والحسين أئمة منصوبون من الله مفترضو الطاعة، وأن الحسين في زمانه إمام وحجة يجب التسليم لأمره.

فأين النص التاريخي الذي يثبت أن عمر بن سعد كان يعتقد هذا؟

وأين ذكره أحد علماء الرجال أو أصحاب الفرق في أصحاب هذا الاعتقاد؟

إن مجرد إطلاق النسبة لا يكفي، والعبء على من وصفه بأنه «إمامي العقيدة» أن يثبتها.

عمر بن سعد قبل كربلاء

ولم يظهر عمر بن سعد أول مرة يوم عاشوراء حتى يصور الأمر وكأن رجلاً إمامياً غلبته الدنيا في لحظة واحدة فانقلب على إمامه.

ففي قضية حجر بن عدي وأصحابه، حين أراد زياد بن أبيه رفع شهادة إلى معاوية تسوغ البطش بحجر، ذكرت المصادر عمر بن سعد في جملة من أدرجت أسماؤهم في الشهادة عليه.

وكان مما نسب إلى حجر أنه يرى أن:

«هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب»،

وأنه يظهر الترحم على أمير المؤمنين (عليه السلام) والبراءة من عدوه.

ويذكر الطبري في عداد الشهود عمر بن سعد بن أبي وقاص، إلى جانب أسماء عرفت بعد ذلك بمواقفها من الحسين، كشمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وزحر بن قيس وغيرهم.

والشاهد الأوضح ما وقع قبيل واقعة الطف.

فعندما قدم مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) إلى الكوفة وأخذ الناس يبايعونه للحسين، كان النعمان بن بشير والياً عليها، ولم يكن يتعامل مع الحركة بالشدة التي أرادتها السلطة الأموية.

وينقل الطبري أن عبد الله بن مسلم كتب إلى يزيد يخبره بوصول مسلم ومبايعة الناس للحسين، ثم يقول:

«ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك».

والبلاذري يروي المعنى نفسه في أنساب الأشراف.

وكان من نتائج ذلك استقدام عبيد الله بن زياد وتشديد القبضة على حركة مسلم وأصحابه.

وهذه الحادثة وقعت قبل وصول الحسين إلى كربلاء.

فنحن أمام شخص كان يخاطب السلطة الأموية بشأن حركة سفير الحسين قبل وصول الحسين نفسه.

فكيف أصبح هذا مثالاً على رجل «إمامي العقيدة»؟

معرفة حرمة قتل الحسين لا تثبت الإمامية

ولعل ما أوقع بعض الناس في هذا التصور ما تنقله المصادر من تردد عمر بن سعد قبل قبول قيادة الجيش، ومعرفته بقبح قتل الحسين، والأبيات المشهورة التي يظهر فيها صراعه بين ولاية الري وبين الإثم بقتل الحسين.

ولكن حتى لو ثبتت هذه الأخبار بألفاظها، فأقصى ما تدل عليه أنه كان يعلم أن قتل الحسين جريمة عظيمة.

وهل الاعتقاد بحرمة قتل سبط رسول الله خاص بالإمامية؟

وهل كل من عرف أن قتل الحسين يورده النار صار معتقداً بإمامته بالنص والعصمة ووجوب الطاعة؟

معرفة حرمة الدم شيء، والاعتقاد بالإمامة الإلهية شيء آخر.

ولا يجوز الاستدلال بالأول على الثاني.

الموقف السياسي لا يكشف بالضرورة عن الهوية العقدية

وهنا يظهر خلط آخر كثيراً ما يقع عند قراءة أحداث صدر الإسلام:

الميل إلى أمير المؤمنين وأهل بيته، أو القتال معه، أو الاعتقاد بأنه صاحب الحق في مواجهة معينة، لا يساوي بالضرورة الاعتقاد بالإمامة الإلهية بالنص والفرض.

ويكفينا ما رواه الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال ـ المعروف برجال الكشي ـ عن أبي خالد الكابلي، عن الإمام الباقر (عليه السلام):

«كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندكم بالعراق يقاتل عدوه وعنده أصحابه، وما كان منهم خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته، وحق معرفته إمامته».

فهؤلاء كانوا أصحاب علي ويقاتلون عدوه معه، ومع ذلك يقول الإمام الباقر:

«وما كان منهم خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته»،

ثم يفسر تلك المعرفة:

«وحق معرفته إمامته».

فإذا كان القتال مع علي نفسه لا يثبت ـ بحسب هذه الرواية ـ الاعتقاد بإمامته، فمن باب أولى أن مجرد معرفة عمر بن سعد بفضل الحسين أو بحرمة قتله أو تردده في الإقدام عليه لا يثبت أنه كان «إمامي العقيدة».

ولهذا لا يكفي أن يوصف شخص بأنه «من شيعة علي» بالمعنى التاريخي الواسع، أو بأنه من أهل الكوفة، أو بأنه كان يعرف فضل الحسين، لنستنتج منه أنه إمامي العقيدة.

وقد نقل السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة، في سياق الرد على دعوى أن شيعة الحسين هم الذين قتلوه:

«حاش لله أن يكون الذين قتلوه هم شيعته... ولم يكن فيهم من شيعته ومحبيه أحد».

وعلى أي حال، فإن الاستدلال بعمر بن سعد يتوقف على مقدمة لم تثبت:

أنه كان إمامياً في العقيدة.

أما أن يكون مسلماً يعرف فضل الحسين ويعلم حرمة قتله ثم تغلب عليه الدنيا فيشارك في قتله، فهذا يمكن أن يجتمع مع عدم اعتقاده بالإمامة الإلهية من الأساس.

بل إن سيرته السابقة على كربلاء ـ من ظهوره في قضية حجر بن عدي إلى كتابته إلى يزيد بشأن مسلم بن عقيل ـ تجعل تصويره رجلاً إمامياً ملتزماً بعقيدة أهل البيت ثم خان مقتضى عقيدته يوم عاشوراء تصويراً يحتاج إلى برهان، لا إلى مجرد دعوى.

وهكذا لا تنهض الأمثلة الثلاثة بإثبات ما أريد منها:

فزهير ـ على فرض ثبوت عثمانيته الأولى ـ تشير النصوص إلى تحول موقعه.

و«المسيحي»، إن كان وهباً، فالنص الذي يثبت نصرانيته ينص نفسه على إسلامه.

وأما عمر بن سعد، فلم يثبت أصلاً أنه كان «إمامي العقيدة» حتى يجعل شاهداً على إمامي بقي إمامياً في الاعتقاد وصار يزيدياً في المنهج.

الخاتمة: السؤال الذي بقي بلا جواب!

بعد هذا كله نعود إلى السؤال الذي بدأ منه النقاش:

حين يقال:

«لا يمكن أن يكون الإنسان حسينياً ويقبل بالذل».

فأيُّ ذل يراد؟

إن كان المراد ذل معصية الله، فنحن أول الموافقين.

أما إذا كان المراد كل ما يراه الناس انكساراً أو تراجعاً أو قهراً في ميزان السياسة والحرب ـ من صلح، أو هدنة، أو صبر، أو انسحاب، أو قبول بواقع لا يملك الإنسان تغييره ـ فإن هذا التعريف تنقضه سيرة الحسين نفسه.

ومن هنا كان عنوان مقالنا السابق: «حين تكون حسينياً أكثر من الحسين».

فالمشكلة تبدأ حين نصنع للحسينية تعريفاً ثم نحاكم الحسين نفسه إليه.

إن قولنا: «كربلاء نهج» لا يكفي؛ لأن السؤال هو:

أي نهج؟

إن كان النهج الحسيني هو العبودية لله والدوران مع التكليف الإلهي حيث دار، فهذا عين ما قررناه.

أما إذا كان هو تحويل صورة عاشوراء ـ بما اشتملت عليه من مواجهة وقتال وشهادة ـ إلى قاعدة عملية ثابتة تقاس إليها جميع الظروف، فإن سيرة الحسين نفسه تنقض هذا التعريف.

فالحسين ليس اسماً نضعه على الموقف الذي نختاره ثم نجعل الاسم دليلاً على صحته.

لا يكفي أن نسمي الحرب «حسينية» حتى تصبح واجبة، ولا أن نسمي الصلح «ذلاً» حتى يصبح محرماً، ولا أن نصف جماعة بأنها «جبهة الحق» حتى يصبح كل قرار تتخذه امتداداً لكربلاء.

الطريق الصحيح معكوس تماماً:

نعود أولاً إلى الدين والنص وسيرة المعصوم لنعرف التكليف، ثم نحكم على الموقف بأنه حسيني أو غير حسيني؛ لا أن نبدأ بالموقف السياسي الذي اخترناه ثم نستدعي الحسين ليمنحه القداسة.

فالحسين (عليه السلام) لم يأت بدين جديد، ولم يجعل من كربلاء أصلاً ينسخ به سائر سيرة الأنبياء والأئمة، وإنما كان إماماً من أئمة أهل البيت وعبداً لله، يدور مع أمر الله حيث دار.

ولهذا كان صلح الحسن حسينياً، وكان صبر علي حسينياً، وكانت تقية الصادق حسينية، وكان انتظار القائم حسينياً، كما كانت كربلاء حسينية.

لأن الحسينية ـ إذا أريد بها الاقتداء الحقيقي بالحسين ـ ليست اسماً لصورة واحدة من صور الفعل.

إنها العبودية لله.

فليس الحسيني من يختار الحرب دائماً، ولا من يرفض الصلح دائماً، ولا من يجعل ما يراه الناس عزاً وذلاً ميزاناً لتكليفه.

الحسيني هو من يختار الله دائماً:

فإن كان الله معه في القتال، قاتل.

وإن كان الله معه في الصلح، صالح.

وإن كان الله معه في الصبر، صبر.

وإن كان الله معه في حفظ النفس، حفظها.

وإن كان الله معه في بذلها، بذلها.

وهذه هي الحسينية التي كان الحسين (عليه السلام) نفسه أول الملتزمين بها.

ولعل المفارقة أن صاحب المقال عنونه بقوله: «كربلاء نهج لا عقيدة فحسب»، لكن ما انتهى إليه كلامه يكشف ـ بحسب ما عرضه ـ أنه لم يعرف الحسين (عليه السلام) حق معرفته لا عقيدةً ولا نهجاً؛ فقد فصل النهج عن العقيدة التي أنتجته، ثم اختزل النهج في صورة واحدة من مواقف الحسين.

فمن أراد أن يعرف الحسين عقيدةً ونهجاً، فلا يكفي أن يعرف كيف استشهد الحسين؛ بل عليه أن يعرف لماذا استشهد، ولماذا لم يستشهد قبل ذلك، وما الأصل الذي حكم الموقفين معاً.

وهناك فقط يبدأ فهم الحسين (عليه السلام).