رجلٌ رأى قبل ثلاثة عقود ما لم نره إلا بعد أن دفعنا أثمانه
وقعتُ بالأمس، وللمرة الأولى، على نص طويل ومثير للاهتمام للشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهو حوار دام أكثر من أربع ساعات، أجراه في 18 آذار/مارس 1997 مع مجموعة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان، القريبين من البيئة التي نشأ فيها «حزب . ا..».
والحوار نفسه بقي غير منشور قرابة ثلاثة عقود، ثم كشف عنه نجله إبراهيم شمس الدين، ونشرت «الشرق الأوسط» أجزاء واسعة منه في ثلاث حلقات بتاريخ 9 و11 و12 كانون الثاني/يناير 2026.
أي إن النص منشور منذ أكثر من سبعة أشهر، ولكنني ـ وأقولها للتاريخ ـ لم أطلع عليه إلا بالأمس.
وأهمية هذه الملاحظة عندي ليست شخصية، ولا أذكرها لأدعي سبقًا إلى شيء؛ بل لسبب آخر تمامًا:
خلال الأسابيع الأخيرة كتبت سلسلة طويلة من المقالات والمنشورات، تناولت فيها العلاقة بين الشيعة وإيران، وبين الثابت الديني والمتغير السياسي، وبين عدالة القضية الفلسطينية وتعيّن وسيلة المواجهة العسكرية، وبين التفكير المستقل والعقل الحزبي المغلق، وبين نصرة المظلوم وبين تحويل قضية أمة بأكملها إلى عبء تتحمله طائفة واحدة.
وكنت أكتب كل ذلك من خلال قراءتي للواقع، وما انتهيت إليه من مراجعة فقهية وتاريخية وسياسية لمسار طويل.
ثم قرأت اليوم كلام الشيخ شمس الدين سنة 1997.
وكانت المفاجأة.
ليس لأنني وجدت نفسي موافقًا له في كل ما قال؛ فلست كذلك، ولي معه في بعض المباني والتفاصيل اجتهادات ومناقشات، وقد لا أوافق على بعض تعبيراته أو تطبيقاته أصلًا.
ولكنني وجدت أن الرجل كان قد وضع، قبل ما يقرب من ثلاثين سنة، جملة من الخطوط العريضة التي لو أُصغي إليها يومئذ، لربما وفّرت على الشيعة في لبنان والمنطقة كثيرًا مما دفعوه بعد ذلك من أثمان.
ولذلك يستحق الرجل، بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف معه، أن يعاد النظر إليه بوصفه صاحب رؤية سياسية وفقهية استشرافية سبقت زمانها.
الشيعة أبناء أوطانهم، لا جالية سياسية عابرة للحدود
من أكثر الأفكار حضورًا في الحوار إصراره على أن الشيعة في أي بلد يجب أن يكونوا جزءًا حقيقيًا من ذلك البلد:
من دولته،
ومجتمعه،
ومصالحه،
وشعبه.
كان يقول لهم بوضوح:
«اندمجوا في دولكم، اندمجوا في شعوبكم، اندمجوا في أنظمة مصالحكم، لا تنشئوا نظام مصالح خاصًا».
وكان يخشى أن يتحول الشيعة في البلدان العربية إلى جماعات ينظر إليها محيطها باعتبارها امتدادًا لدولة أخرى، أو «محمية» لها، أو كتلة سياسية ذات مصالح منفصلة عن مصالح أوطانها.
وكان يقول:
إنني أريد الشيعي اللبناني أن يكون مقبولًا لأنه لبناني في مجتمعه، لا لأنه محمي من دولة أخرى.
وهذه واحدة من القضايا التي وجدت نفسي أعود إليها مرارًا في الأشهر الأخيرة:
لا يمكن لجماعة بشرية أن تعيش في وطن، وتطلب من ذلك الوطن أن يحمي دمها ومالها ومستقبل أبنائها، ثم تجعل مركز قرارها السياسي أو تعريف مصالحها النهائية خارج ذلك الوطن.
ولا يعني الاندماج أن يتخلى الشيعي عن مذهبه أو عقيدته أو خصوصيته.
وشمس الدين نفسه كان شديد الوضوح في التفريق بين الاندماج والذوبان.
يظل الشيعي شيعيًا.
والمسيحي مسيحيًا.
والسني سنيًا.
ولكنهم في السياسة والمصلحة العامة والمواطنة شركاء في وطن واحد، لا جاليات تتجاور داخل جغرافيا واحدة ولكل منها دولة مرجعية خلف الحدود.
وهذا، في تقديري، من أهم ما افتقدناه لاحقًا.
إيران دولة لها مصالح... وليست هي التشيع
أما الفكرة الثانية، فهي التي ربما بدت أشد جرأة في سنة 1997.
كان الشيخ شمس الدين يقول صراحة:
إيران ليست الشيعة، والشيعة ليسوا إيران.
وأن إيران دولة كبيرة عزيزة، لها مصالحها الإقليمية والدولية، ويجب أن نتعامل معها بما هي دولة لها حساباتها ومصالحها، لا باعتبار أن مصالحها هي التعريف الموضوعي الدائم لمصالح جميع الشيعة في العالم.
بل قال كلامًا أصرح من ذلك:
إن إيران ليست مرجعًا سياسيًا ولا دينيًا عامًا للشيعة في العالم، وإن الشيعي التركي ينتمي إلى تركيا، والأذربيجاني إلى أذربيجان، واللبناني إلى لبنان، والكويتي إلى الكويت.
وهذا قريب جدًا من الفكرة التي حاولت شرحها في مقال «حين يصبح المبدأ تابعًا لخريطة التحالفات».
فإنني كنت أقول:
إن من أخطر الأخطاء أن نخلط بين المبدأ الديني الثابت وبين السياسة التي تتبناها دولة معينة وفق مصالحها.
إيران، مثل سائر الدول، قد ترى مصلحتها في علاقة مع دولة هنا، أو سكوت عن قضية هناك، أو تحالف مع طرف في مكان، أو تسوية مع طرف آخر.
وهذا من طبيعة الدول.
وقد كان شمس الدين نفسه يستخدم ـ قبل قرابة ثلاثين سنة ـ مثال أذربيجان وأرمينيا، ومثال الشيشان وعلاقة إيران بروسيا، ليقول لأصحابه:
دعوا إيران تعمل وفق نظام مصالحها.
وهذا بالضبط هو السؤال الذي كنت أطرحه:
إذا جاز للدولة أن توازن بين المبدأ والمصلحة والقدرة والمفسدة عندما تكون القضية في القوقاز أو أفغانستان أو الصين أو غيرها، فلماذا يتحول القرار السياسي إلى تكليف ديني مطلق عندما نصل إلى ساحات بعينها؟
المشكلة ليست أن تكون للدولة مصالح.
هذا طبيعي.
المشكلة أن تُديَّن مصالح الدولة، ثم يقال للآخرين إن الالتزام بها جزء من العقيدة والولاء.
وشمس الدين، بطريقته ومصطلحاته، كان يحذر من هذا الخلط منذ ذلك الزمن.
فلسطين قضية أمة... فلماذا يبقى الشيعة وحدهم؟
وهنا كانت المفاجأة الأكبر بالنسبة إلي.
فقد كتبت قبل مدة مقالًا بعنوان:
«حين تتحول قضية أمة إلى عبء طائفة»،
وكان السؤال المركزي فيه:
كيف تحولت فلسطين، وهي قضية عربية وإسلامية وإنسانية كبرى، إلى ملف تدفع فيه بيئات شيعية معينة من دمها وأمنها واقتصادها واستقرارها أثمانًا استثنائية، بينما انسحبت مساحات واسعة من الأمة نفسها من خيار المواجهة العسكرية؟
ثم وجدت شمس الدين يقول سنة 1997 كلامًا بالغ الدلالة:
إن المقاومة كانت في السابق تضم غير الشيعة أيضًا، وإن انحصارها لاحقًا في بعض الشيعة حدث لأسباب وصفها بأنها «مرضية»، ثم قال:
«لا يناسبني أن يبقى الشيعة وحدهم».
هذه الجملة وحدها تستحق التوقف عندها طويلًا.
كان الرجل ينظر إلى المستقبل ويرى الخطر:
قضية أمة كاملة تنكمش بالتدريج حتى تصبح قضية جماعة.
ثم تتحمل هذه الجماعة مقتضياتها العسكرية والسياسية والاجتماعية.
ثم يصبح تراجعها عنها خيانة.
بينما يبقى الآخرون أحرارًا في اختيار سياساتهم بحسب مصالحهم وقدراتهم.
وكان يخشى فوق ذلك من أن ترتبط المقاومة بعامل خارجي واحد، حتى إذا زال ذلك العامل أو ضعف، «يفرط المشروع كله».
كم يبدو هذا الكلام اليوم مختلفًا عندما نقرأه بعد كل ما حدث!
وليس معنى ذلك التخلي عن فلسطين، كما أنني لم أقل ذلك في أي موضع.
ولا يعني إنكار مظلومية الفلسطينيين أو شرعية الدفاع عنهم.
بل يعني السؤال الذي ظللت أكرره:
هل عدالة القضية تعني بالضرورة تعيّن وسيلة واحدة لنصرتها، ولو أصبحت هذه الوسيلة فوق قدرة من يحملها، وتحول ثمنها إلى عبء على جماعة دون سائر الأمة؟
ليس الهدف أن نصنع شهداء
ثم وجدت فكرة أخرى تكاد تتقاطع لفظًا ومعنىً مع عدد من المناقشات التي خضتها في الآونة الأخيرة.
يقول الشيخ شمس الدين:
«ليس من مقاصد الإسلام أن يكون له شهداء».
ويذكر أن قوله: «نحن لا نريد شهداء» كان من الأفكار التي تعرض بسببها للنقد، ثم تبنتها لاحقًا جهات كانت قد أنكرتها عليه.
وهذه فكرة بالغة الأهمية.
فالشهيد عظيم لأنه قُتل في سبيل غاية مشروعة تستحق التضحية، لا لأن إنتاج الشهداء غاية في نفسه.
والفرق بين الأمرين جوهري.
ليس نجاح الحركة الإسلامية بعدد جنازاتها.
ولا يقاس صدقها بحجم الدم الذي دفعته.
ولا يجوز أن تتحول الخسارة نفسها إلى فضيلة تعطل السؤال عن صحة القرار الذي أنتجها.
قد تكون الشهادة ذروة التكليف حين يتعين التكليف.
ولكن جعل الموت نفسه معيارًا لصواب المسار قلبٌ للميزان الشرعي والعقلائي.
ولعل هذا من أعمق ما كان يعنيه شمس الدين حين انتقد «حالة التوابين» ومنطق طلب الشهادة، وحين قال إن المقصد ليس أن نثير الدنيا بل أن نهدئها ونحفظ الناس.
وهذا يلتقي مباشرة مع كل ما كتبته في ضرورة تقويم الفعل السياسي والعسكري بنتائجه وقدرته وجدواه ومقدار ما يحفظ من الدين والنفوس والمجتمعات، لا بمجرد مقدار ما ينتجه من تضحيات.
مشروع ممانعة... لا وهم انتصار
ووجدت الرجل يقول في سنة 1997 شيئًا آخر لافتًا:
إن مشروع الأمة في تلك المرحلة هو «مشروع ممانعة وليس مشروع انتصار».
ثم يدعو إلى وقف استنزاف الذات وبنائها، وإلى عدم محاربة العدو بالطريقة التي يفرضها هو.
وهذا قريب جدًا من جوهر السؤال الذي حاولت طرحه مؤخرًا:
إذا كنا نعلم أن ميزان القوة لا يسمح لنا بإزالة إسرائيل عسكريًا، وإذا كانت القيادات نفسها تقر بأن الانتصار العسكري الحاسم غير مقدور، فما الحكمة في أن ندفع أثمان إعلان حرب دائمة لا نملك أدوات حسمها؟
الممانعة شيء.
والمقاومة عند تحقق موضوعها شيء.
وبناء القوة شيء.
أما تحويل حالة العجز عن الحسم إلى حرب مفتوحة مستمرة يُقاس الصدق الديني بمقدار الاستعداد لدفع ثمنها، فشيء آخر.
وشمس الدين كان يدرك مبكرًا أن حفظ القدرة، وبناء الذات، واختيار لحظة المواجهة وطريقتها، ليست «تخاذلًا»، بل قد تكون هي السياسة الشرعية العاقلة.
الحزب الذي يحتاج إلى عدو دائم
ولعل ما أثار انتباهي أيضًا حديثه الطويل عن الحالة الحزبية.
كان شديد النقد لعقلية الحزب المغلق.
للجماعة التي تريد أن تمسك الإنسان من كل الجهات.
أن يكون له قطب واحد.
ومصدر معرفة واحد.
ومرجع تفسير واحد.
وأن تتحطم أمامه جميع البدائل حتى لا يسمع صوتًا آخر ولا يرى خيارًا آخر.
وكان يصف بعض هذه الحالات بأنها «صنمية حزبية».
وهذه هي الفكرة نفسها التي حاولت التعبير عنها في مقالات مثل «عدوى التفكير» و«لا تكن إمعة»، وفي الحديث عن العقل الجمعي والقوالب الجاهزة.
فالحزب الشمولي لا يكفيه أن توافقه في النتيجة.
إنه يريد أن يحدد لك كيف تفكر، ومن تسمع، ومن يجوز أن تثق به، وأي سؤال يجوز أن تسأله.
وتنشأ عندئذ تلك الثنائيات التي كتبت عنها مرارًا:
هذا معنا أو ضدنا.
هذا ولائي أو متخاذل.
هذا يخدم القضية أو يخدم العدو.
ولا تبقى مساحة لرأي ثالث.
وقد وصف شمس الدين الظاهرة نفسها بتعبير آخر حين انتقد تحويل «الولاية والبراءة» إلى منهج في إدارة العلاقات السياسية، وحالة الأبيض والأسود التي لا تعرف منطقة بين الطرفين.
وهم المؤامرة الدائمة
وتوقفت طويلًا أيضًا عند نقده لثقافة تقول للشيعة باستمرار:
العالم ضدكم.
الناس يريدون القضاء عليكم.
أنتم دائمًا ضحية مؤامرة.
ثم يقول إن بعض القيادات قد تستثمر هذا الشعور لأنها تحتاج إليه لاستقطاب الجماعة حولها.
وهذا يلتقي مع مناقشة أخرى كنت قد كتبت فيها أخيرًا حول الحجة الجاهزة:
«كانوا سيهاجموننا على كل حال».
فهذه العبارة، حين تتحول إلى قاعدة مطلقة، تلغي المسؤولية عن كل قرار.
مهما فعلنا، فالعدو كان سيفعل الشيء نفسه.
مهما كانت خياراتنا، فالنتيجة واحدة.
وبذلك يصبح من المستحيل مراجعة أي قرار سياسي؛ لأن كل نتيجة يمكن تفسيرها مسبقًا بالمؤامرة.
وشمس الدين كان يحذر من هذه النفسية قبل عقود:
ليس صحيحًا أن العالم كله ضدنا لمجرد أننا شيعة.
قد يكون لنا أعداء، وقد نتعرض لظلامات، ولكن سلوكنا نحن أيضًا يصنع البيئة التي نعيش فيها.
وهذا انتقال شديد الأهمية من عقلية الضحية إلى عقلية المسؤولية.
لا تجعل الدولة مذهبًا
ومن النقاط التي تستحق التأمل أيضًا أنه كان مؤيدًا لإيران في موارد، وناقدًا لها في موارد أخرى.
دافع عنها.
وأيّد الخميني في قرار وقف الحرب مع العراق.
وتحدث باحترام عن التجربة الإسلامية فيها.
وفي الوقت نفسه رفض أن تتحول إيران إلى مرجعية سياسية ملزمة للشيعة.
وهذا، في نظري، نموذج مهم لما حاولت قوله مرارًا:
يمكن أن تحب دولة أو قيادة أو تجربة، وأن تدافع عنها حين تكون مظلومة، من دون أن تحولها إلى أصل من أصول الدين.
يمكن أن تؤيد موقفًا وتخالف آخر.
يمكن أن تنصر إيران في مورد، ولا ترى مصلحتها الوطنية ملزمة لك في مورد آخر.
وهذا هو الفرق بين الانتماء الديني وبين التبعية السياسية.
وبين المذهب وبين الدولة.
وبين الإمام المعصوم وبين الحاكم السياسي.
لم نسمع الرجل
وأنا لا أريد أن أصنع من الشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد وفاته مرجعًا معصومًا جديدًا.
فهذا سيكون مناقضًا لأصل الفكرة التي أدافع عنها.
ولا أقول إن كل ما قاله صحيح.
ولا إن كل اجتهاداته الفقهية والسياسية مقبولة عندي.
بل عندي مناقشات مع عدد من آرائه، وربما كانت لي مبانٍ مختلفة تمامًا في بعض الملفات.
ولكن الإنصاف شيء آخر.
والإنصاف يقتضي أن نقول:
إن هذا الرجل كان ينظر إلى ما وراء اللحظة التي يعيش فيها.
كان يرى أن تحويل الشيعة إلى كتلة سياسية إقليمية مرتبطة بدولة واحدة سيضعهم يومًا في مواجهة مجتمعاتهم.
وكان يرى أن جعل المقاومة هوية طائفية سيترك الشيعة وحدهم يحملون أثمان قضية ليست قضيتهم وحدهم.
وكان يرى أن إيران دولة، وأن الدولة لها مصالح، وأن مصلحة إيران لا يمكن أن تكون تعريفًا لمصلحة كل شيعي في العالم.
وكان يرى أن الحزبية المغلقة تصنع عقلًا لا يعرف إلا الأبيض والأسود.
وكان يرى أن صناعة الشهداء ليست هدفًا.
وأن دماء الناس وأمنهم وأعراضهم وكرامتهم ليست وقودًا مجانيًا لمشاريع سياسية.
وأن العمل العام يحتاج إلى فقه وبصيرة ومسؤولية، حتى قال بتعبيره القاسي:
من كان جاهلًا بالشأن العام «يقعد في بيته»؛ لأنه إذا أخطأ في شأن نفسه دفع هو الثمن، أما إذا أخطأ في شأن الأمة فقد يريق دماء أمة كاملة.
كان يقول هذا سنة 1997.
قبل حرب العراق.
وقبل الحروب المتلاحقة في لبنان.
وقبل الانقسام الإقليمي الكبير.
وقبل سوريا.
وقبل أن تتسع شبكة الصراعات التي صار الشيعة طرفًا مباشرًا فيها من بلد إلى بلد.
وقبل أن نصل إلى اللحظة التي نعيشها اليوم.
ولهذا لا أستطيع، بعد قراءة هذا الحوار، إلا أن أشعر بشيء من الأسف.
ليس لأننا لم نتبع الشيخ شمس الدين في كل شيء.
لا ينبغي أصلًا أن نتبع إنسانًا في كل شيء.
ولكن لأننا لم نعط الأسئلة التي كان يطرحها حقها من التفكير.
كان من الممكن أن نختلف معه.
أن نناقشه.
أن نرد عليه.
ولكن أن يُهمش الصوت، وتُغلق دونه البيئات، ويصبح مجرد الاستماع إليه موضع ريبة، ثم نمضي ثلاثة عقود في المسار نفسه حتى نصل إلى بعض النتائج التي كان يحذر منها...
فهذه ليست مشكلة الرجل.
إنها مشكلتنا نحن.
والمفارقة الشخصية عندي أنني لم أصل إلى هذا النص إلا بالأمس، بعد أن كتبت خلال الأسابيع الأخيرة مقالات كثيرة وصلت فيها ـ من طرق أخرى، وتجارب أخرى، ومقدمات ربما تختلف عن مقدماته ـ إلى جملة من الأسئلة والنتائج التي كان الشيخ محمد مهدي شمس الدين قد طرح خطوطها الكبرى قبل نحو ثلاثين عامًا.
وهذا لا يجعل ما كتبته مستمدًا منه؛ فلم أكن قد قرأت كلامه.
لكنه يجعلني أكثر تقديرًا لرجل رأى مبكرًا ما احتاج غيره إلى سنوات طويلة وتجارب قاسية حتى يبدأ بالسؤال عنه.
وربما لا تكون المأساة في بعض أصحاب الرؤية أنهم لا يُعرفون لأنهم أخطأوا في قراءة زمانهم...
بل لأنهم قرأوا ما بعد زمانهم أبكر مما يحتمل أهل زمانهم.
