ما إن تحدثت عن التقية وحدودها، وعن حفظ دماء المؤمنين وتجنيبهم المواجهات التي تستنزفهم من دون أن تحقق الغاية المطلوبة، حتى انبرى بعضهم ليقول: هؤلاء يحبون الحياة، ويخافون الموت، ويريدون أن يعيشوا كيفما كان، ولو في الذل والهوان، ويتخذون التقية ذريعة للتطبيع مع العدو!

فما الذي قلتُه ليستوجب هذا الاتّهام؟

قلت ما قاله أئمتي (عليهم السلام) من أن التقية تقف إذا بلغت الدم المحترم، أو لزم منها الفساد في الدين.

ولكن يبدو أن هذه الحدود لا تستوقف من يريد تحويل كل دعوة إلى التعقل وحفظ الجماعة إلى تهمة بالجبن والتعلق بالدنيا.

وفي مقدمة الصحيفة السجادية خبر يستحق أن نتأمله.

سأل المتوكل بن هارون يحيى بن زيد بن علي بن الحسين عن سبب ميل الناس إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أكثر من ميلهم إليه وإلى أبيه، فأجابه:

«إن عمي محمد بن علي وابنه جعفرًا عليهما السلام دَعَوا الناس إلى الحياة، ونحن دعوناهم إلى الموت».

ثم سأله المتوكل: «أهُم أعلم أم أنتم؟».

فأطرق يحيى إلى الأرض مليًّا، ثم قال:

«كلنا له علم، غير أنهم يعلمون كل ما نعلم، ولا نعلم كل ما يعلمون».

وهنا مفتاح القضية: عند الإمامين (عليهما السلام) من العلم ما ليس عند أصحاب القيام، ومن معرفة المآلات ما لا يحيطون به.

أما إذا اختُزل اختلاف المنهجين في مقابلة سطحية بين من يدعو إلى الحياة ومن يدعو إلى الموت، فما أسهل أن تتحول الصورة في الأذهان إلى مقابلة بين جبان متعلق بالدنيا، وشجاع مستعد للتضحية في سبيل المبدأ!

لكن هل يُقاس صدق الإنسان بمجرد استعداده للموت؟ أم يُسأل أيضًا: في أي سبيل يبذل نفسه؟ وبأي حجّة؟ وما الذي تحققه تضحيته للدين وللمؤمنين؟

وبعد مقتل يحيى، رجع المتوكل إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، فأخبره بما دار بينه وبين يحيى وبما آل إليه أمره من قتل وصلب، فبكى الإمام (عليه السلام) واشتد وجده به، وترحم عليه.

ثم عاد الإمام (عليه السلام) بنفسه إلى عبارة يحيى عن دعوة الباقر والصادق (عليهما السلام) الناس إلى الحياة، ودعوته هو وأبوه إياهم إلى الموت، ووصلها ببيان امتداد سلطان بني أمية، حتى قال:

«فلو طاولَتهُم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم».

ثم ذكر ما يلقاه أهل البيت وشيعتهم منهم، وختم بقوله:

«ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلمًا أو ينعش حقًّا إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا».

فالمسألة، في هذا السياق، تتصل بالعلم بعاقبة القيام وأثره في الجماعة، لا بمجرد الرغبة الشخصية في البقاء.

الحياة أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا؛ بها يعبد الله، ويحمل الحق، ويعلّم، ويصلح، ويحفظ الأمانة لمن يأتي بعده. فإذا بذلها، فلا بد أن يكون بذلها في وظيفة مشروعة، ولغاية معتبرة يُعلم تحققها أو يُرجى تحققها على أساس معقول.

وقد تكون تلك الغاية حفظ الدين أو إقامة الحجة أو أداء واجب لا يسقط بالخطر، ولو انتهى إلى الشهادة؛ فلا تنحصر قيمة التضحية في تحقيق انتصار عسكري أو الوصول إلى السلطة.

أما إذا كان القيام لا يؤدي إلا إلى قتل القائمين، وزيادة البلاء على المؤمنين، وتعريض الجماعة للاستئصال، فمن أين يصبح الإقدام عليه فضيلة، والإحجام عنه جبنًا؟ وهل عدالة الشعار وحدها تكفي لتصحيح الطريق، مهما كانت عاقبته؟

لم يكن الباقر والصادق (عليهما السلام) أقل شجاعة من يحيى وابيه ولا اقل غيرة على الدين أو معرفة بظلم بني أمية منهما. ولكنهما كانا أعلم بما ينبغي فعله لحفظ الدين وحَمَلَته، وأعرف بالفرق بين التضحية التي تؤدي وظيفة، والتضحية التي تزيد مكروه أهل البيت وشيعتهم.

وحفظ الجماعة مسؤولية قد تقتضي احتمال تُهَم الجبن والخوف وحب الحياة؛ لأن الاندفاع إلى مواجهة غير محسوبة، لمجرد دفع تلك التهم وإثبات الشجاعة، قد يسوق المؤمنين إلى الهلاك.

ومن الشجاعة أن يثبت الإنسان على ما يعرفه من وظيفته، ولو عيّره الناس بقعوده؛ كما أن من الشجاعة أن يقدم حين يكون الإقدام وظيفته.

أما التقية، فليست تفويضًا بالتنازل عن الدين، ولا بمنح الظالم شرعية او التطبيع معه، ولا باتخاذ سلامة النفس عذرًا لكل فساد. لها حدودها التي بيّناها. وليس حفظ الحياة داخل هذه الحدود عارًا يحتاج المؤمن إلى الاعتذار عنه.

فليس كل من دعا إلى الموت أغيَر على الدين، ولا كل من دعا إلى الإبقاء على النفس أشد تعلقًا بالدنيا. والعبرة بأن نعرف أين يريد الله منا أن نبذل أنفسنا، وأين يريد منا أن نحفظها لنواصل حمل أمانته.

ويا سبحان الله! فبعد أكثر من ألف ومئتي سنة، وبعد تجارب كان ينبغي أن يتكشف فيها صدق هداية أئمتنا (عليهم السلام) وعمق بصيرتهم، ما زلنا نواجه المنطق نفسه: نزقًا يستعجل الصدام، وطيشًا يستخف بالعواقب، وجهلًا يستعيض عن الحجة باتهام الناس في دينهم ونياتهم؛ وقد يصدر ذلك ممن ينتحلون الولاء للأئمة الذين علّمونا أن نزن المواقف بميزان العلم والتكليف.

فالذي يبذل نفسه في سبيل غاية يعتقد أنها تستحق التضحية يموت مرة؛ أما الذي يُكلَّف بحفظ نفسه ومواصلة حمل الأمانة، مع احتمال الطعن في دينه ومروءته وكرامته، فقد يشعر أنه يموت في كل يوم مئة مرة. وقد يبلغ جرح الاتهام عند أهل العلم والعفة والمروءة مبلغًا تصعب معه مجاهدة النفس على الصبر ومواصلة أداء الواجب. وحسبنا أن نتأمل قول مريم، سيدة العفة والطهر، حين جاءها المخاض، وقبل أن تواجه قومها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾؛ وأن نستحضر، ونحن نقرأه، ثقل ما كانت مقبلة عليه من مواجهة قومها، وما حكاه القرآن بعدها من اتهامهم لها في شرفها وعفتها.

وفي حديث المعراج، في وصف أهل الخير وأهل الآخرة: «يموت الناس مرة، ويموت أحدهم في كل يوم سبعين مرة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم». وما أبلغها من صورة للمجاهدة المتجددة: أن تكظم ألمك، وتملك غضبك، وتصون لسانك، ثم تنهض كل يوم لتؤدي واجبك، فيما الجراح تتجدد.

فحفظ الحياة قد يكون تكليفًا بالغ المشقة، يحتاج إلى شجاعة الصبر وطول الاحتمال. ومن الوفاء لله أن يبذل الإنسان نفسه حيث يجب بذلها، وأن يحفظها حيث يجب حفظها؛ فلا يستدرجه ثناء الناس إلى إقدامٍ في غير موضعه، ولا تدفعه تهمهم إلى التفريط بالأمانة.

فلا تتهموا كل من يحفظ نفسه بأنه يطلب الراحة؛ فلعلّه يصابر من الألم ما لا ترونه، ويجاهد نفسه ليبقى حاملًا للحق، أمينًا على من ائتُمن عليهم.

نسأل الله بصيرةً لا يطفئها الأذى، وصبرًا لا يستنفده الجهل، وثباتًا على هدي أوليائه (عليهم السلام). ---------------------- المصادر: راجع الصحيفة السجادية الكاملة، مقدمة الصحيفة، رواية المتوكل بن هارون؛ وانظر: محمد جواد مغنية، «في ظلال الصحيفة السجادية»، ص٢٢–٢٥. وحديث المعراج: المجلسي، «بحار الأنوار»، ج٧٤، ص٢٤، ضمن الحديث السادس، طبعة دار إحياء التراث. وآية مريم: سورة مريم، الآية ٢٣.