قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بأس بالتنبيه إلى فرق أساس بين الفتوى والحكم؛ لأن جانباً من الخلط في قراءة بيانات المرجعية ينشأ من عدم التمييز بينهما.

الفتوى والحكم

الفتوى هي أن يستنبط المجتهد حكم موضوع كلي، كأن يفتي مثلاً بنجاسة كل مسكر مائع بالأصالة. وهذه الفتوى تكون حجة على مقلديه، وأما من يقلد مجتهداً آخر فيرجع إلى فتوى مرجعه، التي قد توافقها وقد تخالفها.

ثم إن مرجعية المجتهد في باب الفتوى إنما هي في الحكم الكلي، وأما تشخيص انطباق موضوعه في الخارج فليس من شؤون التقليد في نفسه.

فلو أفتى المرجع بنجاسة المسكر المائع بالأصالة، ثم وقع الكلام في مادة كحولية معينة: هل هي مسكرة أو لا؟ فقد يعتقد المرجع أنها مسكرة، بينما يحرز المقلد ـ بطريق معتبر عنده ـ أنها ليست كذلك، أو يشك في كونها مسكرة. وحينئذ لا يلزمه تقليد المرجع في هذا التشخيص الخارجي؛ لأن الفتوى إنما كانت: المسكر المائع بالأصالة نجس، وأما أن هذا السائل الخارجي مصداق للمسكر أم لا فهذه مسألة أخرى.

أما الحكم فشأنه مختلف.

فالحاكم الشرعي لا يبين فيه حكماً كلياً فحسب، بل يكون حكمه ناظراً إلى واقعة أو موضوع معين بعد تشخيصه، كأن يشخص تحقق موضوع يملك شرعاً الولاية على الحكم فيه، ثم يصدر حكمه على أساس ذلك.

ومن هنا يختلف الحكم عن الفتوى من جهتين مهمتين:

أولاً: ليس للمكلف أن يقول: أنا أخالف الحاكم في تشخيص الموضوع، ولذلك لا أعمل بحكمه؛ لأن تشخيص الواقعة في مورد الحكم داخل في نفس ما صدر فيه الحكم.

وثانياً: الحكم ـ ضمن الدائرة التي تثبت فيها ولاية الحاكم شرعاً ـ لا تختص حجيته بمقلديه، بخلاف الفتوى التي يكون مناط حجيتها التقليد.

ويبقى بعد ذلك البحث الفقهي المعروف في حدود ولاية الفقيه خارج باب القضاء: هل هي ولاية مطلقة؟ أم تقتصر على الأمور الحسبية بالمعنى الضيق؟ أم هي أوسع من ذلك من دون أن تبلغ حد الولاية المطلقة؟

والمعروف عن سيدنا المرجع الأعلى للطائفة، سماحة السيد السيستاني (دام ظله) أنه يتبنى في هذا المجال مبنى يقع بين الاتجاهين؛ فلا يحصر الولاية في الدائرة الحسبية الضيقة بالمعنى المعروف عند السيد الخوئي، ولا يقول بالولاية المطلقة بالمعنى الذي ذهب إليه بعض الفقهاء، بل يثبت للفقيه صلاحية في أدارة شؤون المجتمع العامة مع اشتراط ما يناسبها، ومن ذلك المقبولية العامة في المجتمع الذي يراد ممارسة هذه الولاية فيه.

ولسنا هنا بصدد تفصيل هذا البحث، وإنما يعنينا منه أمران:

الأول: أن اعتقاد الفقيه بثبوت الولاية له في شأن من الشؤون لا يعني أنه يُعمل ولايته في كل مورد تدخل فيه تلك الولاية.

فقد يرى أنه يملك شرعاً صلاحية إصدار حكم ولائي في قضية معينة، ولكنه لا يرى المصلحة في ممارستها، فيكتفي ببيان رأي، أو نصيحة، أو إرشاد، أو موقف عام.

فثبوت الولاية شيء، وإعمالها فعلاً شيء آخر.

والثاني: أنه لا يجوز لنا، لمجرد أن كلاماً صدر من المرجع الأعلى في شأن عام، أن نحمله تلقائياً على أنه حكم ولائي.

بل لا بد من ملاحظة لسان الكلام ومقام صدوره:

هل هو في مقام بيان فتوى؟

أم في مقام إصدار حكم ملزم بمقتضى الولاية؟

أم أنه مجرد توجيه أو إرشاد أو موقف عام أو بيان مناسبة؟

وهذا التمييز سيكون له أثر أساس عندما ننتقل إلى الكلام في البيانات العامة الصادرة عن المرجعية العليا، ونسأل: ما الذي يجوز لنا أن نستفيده منها، وما الذي لا يصح أن ننسبه إليها؟