من المعروف فقهياً أن الضروريات واليقينيات خارجة عن مورد التقليد. فلا نحتاج إلى تقليد المرجع في أصل وجوب الصلاة أو الصيام مثلاً، كما أن المكلف إذا حصل له اليقين بحكم شرعي لم يكن معنى لتقليد غيره فيه.
وهذا يثير سؤالاً مهماً:
قد نجد المرجع الأعلى في ظرف استثنائي يقول للناس: يجب عليكم الدفاع عن أنفسكم وبلدكم ومقدساتكم وأعراضكم، مع أن أصل وجوب الدفاع عند تحقق موضوعه ليس حكماً فقهياً غامضاً يحتاج الناس في أصل معرفته إلى استنباط جديد، بل هو من الأحكام الضرورية الواضحة، بل إن أصله من المرتكزات الفطرية والعقلائية.
فما معنى صدور هذا الكلام من الفقيه؟
هنا ينبغي ألا نتعجل ونحمله مباشرة على الحكم الولائي؛ إذ يمكن تصوره على نحوين:
الأول: أن يكون الفقيه في مقام إعمال ولايته فعلاً؛ فيشخّص تحقق الموضوع الخارجي الذي تثبت له الولاية في شأنه، ويرى توفر شروط الدفاع، ثم يصدر حكماً على الواقعة المشخصة. وعندئذ يكون الكلام حكماً، لا مجرد بيان للحكم الكلي.
والثاني: ألا يكون في مقام إعمال الولاية أصلاً، وإنما يكون بصدد تنبيه المكلفين إلى أن موضوع الحكم الثابت وشروطه قد تحققت في الخارج، وأن التكليف الذي يعرفونه في نفسه قد أصبح فعلياً في حقهم.
والفرق بين الأمرين دقيق ومهم جداً.
فقد يقول الفقيه للناس: «يجب عليكم الدفاع»، لا بمعنى: أنا أوجب عليكم ذلك الآن بمقتضى ولايتي، بل بمعنى: لقد تحقق الآن في الخارج الخطر الذي جعل الشارع الدفاع عنده واجباً عليكم وشروط مشروعية الدفاع متحققة، فالتفتوا إلى تكليفكم ولا تقصروا فيه.
ولهذا يمكن من حيث المبدأ أن يصدر مثل هذا الخطاب حتى من فقيه لا يثبت لنفسه ولاية عامة في إدارة الشأن السياسي؛ لأنه لا ينشئ بذلك حكماً ولائياً، وإنما ينبه المكلفين إلى فعلية حكم شرعي ثابت عليهم بتحقق موضوعه وشروطه.
ومن هنا لا يكفي في إثبات كون الكلام حكماً ولائياً أن نجد المرجع الأعلى قد قال في شأن عام: «يجب»، أو «يحرم».
بل لا بد من النظر هل هو بصدد إعمال ولايته والحكم على واقعة مشخصة؟
أم بصدد بيان حكم كلي؟
أم بصدد تنبيه الناس إلى أن موضوع حكم معلوم قد تحقق، فأصبح ذلك الحكم فعلياً ومنجزاً عليهم؟
وهذا التمييز مهم جداً في قراءة مواقف المرجعية العليا؛ لأنه يمنعنا من تحويل كل خطاب إلزامي في قضية عامة إلى «حكم ولائي» لمجرد أن قائله فقيه يرى لنفسه قدراً من الولاية.
فثبوت الولاية للفقيه لا يعني أنه يعملها كلما تكلم في الشأن العام، وصدور خطاب إلزامي منه لا يكفي وحده لإثبات أنه حكم ولائي؛ بل لا بد من إحراز أنه صدر بالفعل في مقام إعمال الولاية.
ولعل أفضل ما يوضح هذه الفكرة موقف السيد السيستاني عند اجتياح تنظيم داعش لأجزاء واسعة من العراق سنة 2014.
كان الموقف يومئذ من أخطر ما مر على العراق، وكان الخطر يهدد الدولة والمجتمع والمقدسات ومختلف مكونات الشعب العراقي.
ومع ذلك، حين أراد السيد السيستاني بيان التكليف الشرعي، لم يترك للناس أن يستنبطوه من ثناء على المقاتلين، ولا من موقف سياسي عام، بل صدرت الفتوى بوضوح:
إن الدفاع عن العراق وأهله ومقدساته واجب بالوجوب الكفائي.
وبُيّن معنى هذا الوجوب، ودُعي القادرون على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية العراقية لمواجهة الخطر.
ثم عاد مكتب السيد السيستاني بعد سنوات فوصف هذا الموقف نفسه بأنه «الفتوى الشهيرة بوجوب الدفاع الكفائي».
وهذا المثال مهم من جهتين.
فمن جهة، هو يرينا كيف يكون كلام المرجع الأعلى عندما يريد بالفعل بيان التكليف الشرعي: حكم شرعي محدد، وموضوع معين، ومخاطبون معينون، وبيان لطبيعة الوجوب وكيفية امتثاله.
ومن جهة أخرى، فإن توصيف المرجعية نفسها لهذا الموقف لاحقاً بأنه «فتوى»، لا حكماً ولائياً، مهم في محل كلامنا؛ إذ لا يصح لنا أن نغيّر عنوان الكلام من عند أنفسنا، فنحمل ما صدر بعنوان الفتوى على أنه إعمال للولاية، ما لم توجد قرينة تثبت ذلك.
بل إن من الحكمة البالغة في ذلك الموقف أن السيد السيستاني، مع شدة الخطر، لم يدعُ إلى إنشاء تنظيم مسلح خاص يحمل اسم المرجعية، وإنما دعا أبناء الشعب القادرين إلى مساندة القوات الأمنية العراقية والانخراط فيها للدفاع عن البلد.
وهذه ملاحظة مهمة في فهم طريقته في إدارة الشأن العام، كما أنها تؤكد القاعدة التي نريد الوصول إليها:
ليس كل موقف يصدر عن المرجع الأعلى في شأن عام حكماً ولائياً، وليس كل تعبير إلزامي دليلاً على إعمال الولاية؛ بل ينبغي أولاً أن نعرف طبيعة الكلام ومقام صدوره والعنوان الذي صدر به.
